فيسبوك اخبار ليبيا

الأردن وسؤال المواطن عن "الملك المواطن"

العربى الجديد 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة



لطالما أظهرَ العاهل الأردني، عبدالله الثاني، اهتماماً كبيراً بتحول بلاده إلى دولة عصرية، حداثية. وفي سبيل ذلك، حَرِصَ على ضمان استمرار النهج الديمقراطي والتحوّل المفضي إليه، والذي بدأ عام 1989 بعد أحداث هبّة نيسان في عهد والده الملك حسين.
وفي عهده، أنجزت ممارسات ديمقراطية، وتعديلات دستورية، كثيرة، وأسست هيئة مستقلة لإدارة الانتخابات، ومحكمة دستورية، وجرت انتخابات لعدة مجالس نيابية، بعضها أتمّ مدته، وبعضها جرى حله، بسبب شوائب فساد ضربت عملية الاقتراع، وبعضها حُلّ بسبب الغضب الشعبي، كان ذلك قبل سنوات الربيع العربي وخلالها.
الملك عبدالله الثاني في الأردن زعيم تنفيذي، يرأس السلطة التنفيذية دستورياً بواسطة وزرائه، وهو مشاركٌ في المشهد العام، ويدخل في النقاش الوطني، وصدرَت عنه ست أوراق نقاشية في المسائل الوطنية التحديثية عن دولة المواطنة والقانون والإصلاح السياسي، وغيرها من القضايا، وهو في ذلك كله رجل عسكري، يحب المشاركة في التمارين العسكرية التي يسمح وقته في متابعتها، لكنه عوَدَ الناس أن يجدوه في الميدان العام، زائراً مفاجئاً إلى مستشفى أو مدرسة أو منطقة نائية تعثرت فيها الخدمات، وتأخرت عنها، والتحف الناس فيها الفقر، واستقر ممثلوهم في البرلمان في العاصمة بحثاً عن الثراء والنفوذ.
هو ذاته الملك الذي يحرص على التواصل مع المعلمين والمتقاعدين العسكريين، فيزور أعيانهم في قراهم، وقد زار بعض القرى مراتٍ، وزار الأغوار الجنوبية خمس مرات. وفي كل مرةٍ، يحمل معه خيراً وتغييراً في حياة الناس البسطاء والفقراء الذين بنى لهم مساكن خاصة في كل محافظة. وهو مسافر دائم لأجل بلده إلى الخارج، ويتحدث عن العرب والقضية الفلسطينية، وكانت خطاباته أمام الكونغرس الأميركي والبرلمان الأوروبي جليّة وواضحة في هذا الشأن، وفي أكثر من مناسبة.
في الخطاب الملكي للشعب، تحضر مفردات الأهل والعشيرة والقبيلة، وقالها الملك دوما: "أنتم أهلي وعزوتي"، وقالها في خطاباته إبّان الربيع العربي: "أنا مواطن أردني" و"أتشرّف 
"اليوم في الأردن شعبٌ يريد الملك أكثر من أي وقت، ويقلق عليه"
بشعبي". وفي مقابل هذا الخطاب، كانت العشائر والمخيمات والقرى والبوادي في حالة انتظار، وسؤال متى يأتي ابنهم وأخوهم وملكهم؟ ليزورهم أو يلتقيهم، وكثيراً ما يحضر الناس إلى ديوانه، فيستمع منهم ومن الحكومة عن مطالبهم.
هذا الحكم نوعٌ فريدٌ، في منطقةٍ ملتهبةٍ، قد لا يخرج فيها الرؤساء إلّا قليلاً، وفي مواكب مثقلة بالحراسات، في حين يقود الملك سيارته في عمّان، ويزور قبل أسبوع دار الحكومة، ويلتقي حكومة الدكتور عمر الرزاز. وفي الطريق، يؤدي واجب العزاء بشخصية اقتصادية وطنية. وبالاهتمام نفسه، زار أكثر من مرة بيوت عزاء لجند أو ضباط قضوا نحبهم في واجبهم الوطني، هو الملك الذي زار الكويت مرّة، وحين سمع أن موظفاً في السفارة الكويتية في عمّان توفي أحد أعضاء أسرته، ذهب ليقدّم واجب العزاء لمواطن عربي في بلدٍ يقيم فيه ضيفا.
أمام هذا الشكل من العلاقة، يقلق الأردنيون إذا غاب ملكهم، من دون أن يسمعوا أخباره، وهم يدركون أنه رب أسرة، ومن حقة السفر الخاص، والدستور ينظم فترة غيابه. ولكن حين يتطوع بعضهم بشتم المواطنين والقذف بهم بأبشع الصفات، لأنهم سألوا عن "الملك المواطن" والملك الأب والأخ، فذلك جوهر النفاق المفضي إلى الاستبداد حتماً.
ملأت الإشاعات عن غياب الملك عبدالله الثاني عن الأردن بضعة أسابيع، لكن هذا الوطن لا يقف على حوافّ الكلام، وعنده مهمات أخرى، لا سبيل لسردها هنا، لكن يكفي أن يعرف القارئ أن ملك 
"هموم ملك الأردن هي البطالة والفقر وضرب الفساد والحفاظ على علاقاتٍ متوزانةٍ مع العرب"
الأردن، ذات زيارة للولايات المتحدة، قرأ عن سكان أهالي قرية في جنوب المملكة في محافظة الكرك، يشكون انقطاع المياة أسابيع، فما كان منه إلا أن زار القرية قبل أن يعود إلى بيته، وتواصل مع أهلها وحل مشكلتهم، ليقول للحكومة يومها إن العجز عن خدمة الناس جريمة يجب عدم السكوت عنها، ولاحقاً وفي وقت قريب رحلت تلك الحكومة.
اليوم، تحضر في الراهن الأردني أسئلة عن طبيعة المرحلة المقبلة، ونقاش بشأنها، وعن صفقة القرن، وعن الدولة المدنية وعن الإصلاح، لكن هموم ملك الأردن هي البطالة والفقر وضرب الفساد والحفاظ على علاقاتٍ متوزانةٍ مع العرب، ومع الغرب من دون التفريط بأيٍّ من حقوق الشعب الفلسطيني، ومن دون تنازلٍ عن هدف الأردنيين بالوصول ببلدهم إلى أفضل حالات الأمان والاستقرار.
كتب الملك حسين بن طلال في كتابه "مهنتي كملك"، عن محاولات عدّة لإطاحته، أو الانقلاب عليه، وقال: "في كل مرة كان الشعب يفشل تلك المحاولات". وفي كل مرة، كان الحسين يعود أقوى، واليوم في الأردن شعبٌ يريد الملك أكثر من أي وقت، ويقلق عليه، وبالتالي فالسؤال عنه من حبّ وخوفٍ على مصائر وطن ومستقبل وأرض وهوية واستقرار، ومنهم من يسأل عن خبث وتشكيك، لكن هؤلاء قلة، ولا يردّ عليهم. ودوماً كان الأردن في عين الأعاصير، لكنه كان يخرج أكثر قوةً وتماسكاً، على الرغم مما في حاضرة اليوم من أسئلةٍ مطلوب الإجابة عليها، ومنها: ما السبيل إلى تحديث الطبقة السياسية وتغيير الوجوه، وإنهاء الإقطاع السياسي، وما السبيل لجلب كبار الفاسدين، والحدّ من الفساد الصغير، وكيف تتم محاسبة المقصرين في خدمتهم ووظائفهم، من دون إثارة الحاضنة الاجتماعية؟

شاهد الخبر في المصدر العربى الجديد

إخترنا لك



أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com