تويتر اخبار ليبيا

أي ثقةٍ بجائزة نوبل للآداب؟

العربى الجديد 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة



لم يخرج السكرتير الدائم للأكاديمية السويدية، بيتر أنغلوند، في الحادية عشرة بتوقيت غرينتش، صباح يوم الخميس قبل الماضي، من مكتبه إلى بهو مقرّ الأكاديمية في استوكهولم، ليعلن اسم الكاتب (أو الكاتبة) الذي اختير (أو اختيرت) فائزا (أو فائزةً) بجائزة نوبل للآداب للعام 2018. كان سيعلن اسما شهيرا أو مغمورا أو بيْن بيْن، اسما مفاجئا على الأرجح، مخالفا توقعاتٍ تتناثر كل عام. كانت ستشغلُنا، نحن المنهمّين بصحافة الثقافة وثقافة الصحافة، بشأن من مُنح (أو مُنحت) الجائزة، قيمةُ أدبه (أو أدبها)، ميولُه (أو ميولها) السياسية، مكانتُه (مكانتها) في آداب اللغة التي يكتب بها. هذا تقليدٌ في الموسم السنوي المعتاد، نضيف فيه، نحن العرب، إسهامَنا المعلوم، وسؤالَنا الخالد، المحقّ، عن سبب ازورار لجنة الأكاديمية (18 عضوا) عن أدبنا وأدبائنا، وإنْ خرمْته التفاتةٌ يتيمةٌ إلى نجيب محفوظ (1988). 
ما جرى هذا العام حدثٌ ثقيل، يُعفينا من المألوف السنوي هذا، أنّى كنّا في الأرض، ويأخذنا إلى قصة هذه الجائزة نفسِها، ففضيحةٌ من نوعٍ مخزٍ هزّت هذه اللجنة التي لا يُقال أيٌّ من أعضائها، فلا يغادرون أمكنتهم فيها مدى الحياة. صرنا نعرف أن ثلاث نساءٍ منهم تعرّضن لتحرّشٍ جنسيٍّ من زوج زميلةٍ لهن، بل تعرّضن لاعتداءاتٍ جنسيةٍ في شقّتين تتبعان الأكاديمية. ولكن، ما دخل سفالة هذا الشخص، وهو مصوّر فرنسي، بتعطيل الجائزة العتيدة؟ لعل الإجابة في أنه كان صاحب نفوذٍ في داخل مؤسّسة الأكاديمية السويدية (تأسّست في العام 1768)، ويتردّد، بحسب ما أفيد، أنه ربما ساهم، في السنوات القليلة الماضية، في منح الجائزة لغير كاتبٍ أعطيت له. وهو إلى هذا الأمر، المرجّح وغير المؤكّد، كان وراء تسريب أسماء فائزين قبل إعلانها. وإلى متوالية هذه الفضائح، له صلةُ عملٍ بين نادٍ ثقافيٍّ يملكه والأكاديمية، ينتفع منه بمبالغ معتبرة.
أي ثقةٍ تبقى، إذن، بجائزة نوبل للآداب؟ قالت الأكاديمية السويدية، في مايو/ أيار الماضي، لمّا استقال أعضاءٌ منها، نتيجة إشهار ما ارتكبه ذلك الزوج المصوّر، وأعلنت إلغاء موسم هذا العام، إنها تحتاج وقتا لتعود إلى العمل بكامل قوتها، ولتستعيد ثقة الناس في عملها، والتي أقرّت الأكاديمية بتراجعها. وها هي تضم، قبل أيام، عضوين جديديْن إليها، قاضٍ في المحكمة العليا السويدية (ما علاقته بالأدب؟ وهل تحتاج النزاهة قضاةً؟) وشاعرةً روائية.
صار في الوسع أن تُضاف إلى مسألة المركزية الأوروبية التي أنفقنا، نحن العالم ثالثيين، العرب والأفارقة والآسيويين، كلاما كثيرا عنها، واعتبرناها محدِّدا ظاهرا في توجّهات أكاديمية "نوبل للآداب"، مسألةٌ أخرى تؤشّر إلى مزاجٍ غير مفهوم، في حالاتٍ كثيرة، لدى أولئك المخلّدين في تلك الأكاديمية، يجعلهم، في وقائع غير قليلة، يرمون الجائزة الشهيرة على كاتباتٍ وكتابٍ كعوبُهم أوطى كثيرا من كعوب كتّابٍ كبارٍ حقا. مضت سنواتٌ على إعطاء الجائزة للرومانية هيرتا مولر (2009)، والنمساوية ألفريدي يلينيك (2004)، والمجري إيمري كيرتش (2002)، وهؤلاء عيّنةٌ فحسب، هل اقتنعنا فعلا أنهم أدباء كبار حقا؟ لا، ولا أجد حرجا في الزّعم هنا إن أدب الروائي الراحل جمال ناجي، وحده، أرفعُ مما كتبه هؤلاء. وبالتأكيد، أعمال عبد الرحمن منيف وأدونيس ومحمود درويش وصنع الله إبراهيم تتجاوز بكثير المستوى المتواضع للثلاثة. أما مُزحة منح الجائزة للمغنّي والشاعر الأميركي بوب ديلان (2016)، فربما يجوز أن يخمّن واحدُنا أن ذلك الزوج المصوّر، والمعتقل حاليا، وراءها.. تُرى، هل أراد أن يفرض مزاجه العابث على العالم؟ ربما. كما فعلها أحدُهم يوم مُنحت الجائزة (نوبل للآداب للتذكير) لرئيس الوزراء البريطاني وينستون تشرشل، في العام 1953(!).
لا يجيز هذا الكلام، في أي حال، التغافل عن أسماء مقدّرة في فضاء الأدب الإنساني الرفيع القيمة، استحقّت الجائزة العتيدة، أستورياس وماركيز وباموق وهيرمان هيسّة وسولنجستن (وإنْ كان ثمّة تلوينٌ سياسيٌّ في مسألته)، وغيرهم، أما الإسرائيلي يوسف عجنون الذي أعطي نصف الجائزة (1966)، فالأدرى بأعماله لا يُصنفونه كاتبا ذا مكانة. وبشأن البيلاروسية سفيتلانا أليكسيفيتش (2015)، الصحافية التي تشحن كتابتَها التقريرية بأنفاسٍ أدبيةٍ ذات مضامين إنسانيةٍ عالية الشأن، فكان منحُها الجائزة مفاجأة طيبة.
موجز القول (أو قصاراه؟) إن الثقة بجائزة نوبل للآداب ازدادت تدهورا، عمّا كانت عليه قبل حكاية الشّقتين، والاعتداء والتحرّش الجنسيين، والانتفاع المادي، و... .

شاهد الخبر في المصدر العربى الجديد

إخترنا لك



أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com