555555555555555

الإخوان والشيعية السياسية... حرق الجسور

العربى الجديد 0 تعليق 278 ارسل لصديق نسخة للطباعة
قبل أن يعبر الربيع العربي حدود مصر، كانت العلاقة بين "الإخوان المسلمين" و"الشيعية السياسية" سمناً على عسل. ثم قاد انتقال شرارة الاحتجاجات إلى عواصم أخرى، أهمها دمشق، الجماعتين الأكبر جماهيرية عربياً، للانخراط في أكبر معركة عرفتها المنطقة، ولكن بأسلحة وذخائر طائفية.
معروف لدى كثيرين، أن جماعة الإخوان، منذ ولادتها، كانت تسعى إلى إعادة الاعتبار لمفهوم الخلافة الإسلامية التي فقدتها "الأمة"، بعد سقوط الدولة العثمانية، والأمة، في المفهوم الإخواني الأول، هي جميع المسلمين، بمن فيهم المنتمون لمذاهب إسلامية أخرى. وكانت الأدبيات المؤسسة للحركة التي خلفها الشيخ حسن البنا، تغصّ بالتعابير الوحدوية التي تُؤصل للجماعة الإسلامية الواحدة، فقد كانت الحركة نتاج سياقها التاريخي الذي تفاعلت معه، وأثرت فيه، فقد ولدت في 1928، بعد انهيار الخلافة العثمانية بأربع سنوات. حينها كان الخلاف المذهبي غير ذي قيمة، ولم يكن الصراع بين الطوائف قد تشكّل بعد، بل كانت الأحزاب الوطنية التي تحمل شعارات الدولة القطرية المدنية هي الخصم الرئيسي للإخوان. كان منظّرو الحركة وقياداتها يسعون إلى تمثيل "الأمة"، كل الأمة، وقد عملت الحركة، أو بعض رموزها الأوائل، على إقناع الإمام يحي حميد الدين بإعلان نفسه خليفة على المسلمين، لكنه رفض تحمّل المسؤولية، بحسب مؤرخين. وبالتالي، ترفعت الحركة عن الخلافات الفقهية مع بعض المذاهب الإسلامية، ومنها الشيعي، بل سعت الحركة إلى احتضان الشيعة، من خلال مؤتمرات التقريب بين المذاهب منذ وقت مبكر. وفي الوقت نفسه، لم تكن الحركة مُتسامحةً مع الإرساليات المسيحية التي كانت تقوم بأعمال تبشيرية، من خلال المدارس والمستشفيات التي ترعاها الكنيسة، بحد زعمها.
"الديمقراطية والمقاومة ليستا ما قادهما إلى حرق الجسور، فقد تضاربت المصالح بين "الإخوان" و"الشيعية السياسية" على مستوى جميع الأقطار العربية تقريباً"

حتى مع تبني "الإخوان" بعض أدبيات السلفية التقليدية التي احتكّت بها الجماعة، بعد هجرتيها، الأولى والثانية، إلى دول الخليج، السعودية خصوصاً، لم تتأثر الجماعة بالخطاب المعادي للشيعة والتشيع، وكانت تتبناه الحركة الوهابية في المملكة، بل إن أحد عناصر التمايز والخلاف بين الحركة السرورية وجماعة الإخوان المسلمين هو العلاقة مع الشيعة والموقف منهم، فطالما دعت الجماعة إلى التقارب والتفاهم معهم، وتوّجت خطابها بزيارات ومشاركات عديدة، كان يقوم بها الشيخ يوسف القرضاوي، أحد أهم رموز الجماعة، وهو الذي كان من دعاة التقريب لسنوات طوال، وحضر مؤتمراتٍ عديدة نُظّمت في هذا الإطار، كما قام بزيارات عديدة لرجال دين شيعة، وكانت إحداها في طهران، في عهد الرئيس محمد خاتمي. على الجانب المقابل، كانت التيارات الشيعية المسيسة متأثرة بأدبيات "الإخوان"، حتى إن حزب الدعوة العراقي الذي يتزعمه نوري المالكي اليوم كان يوزّع منشوراتهم وكتب سيد قطب، على عناصره، ويحمل الشعارات نفسها، كما أن المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، علي خامنئي، ترجم كتابات سيد قطب للفارسية. بل حتى إيران، ما بعد ثورة الخميني، التي تشغل عقل الإخوانيين في هذه المرحلة، كانت تربطها علاقاتٌ قويةٌ مع الحركة، وكان يوسف ندا مسؤول العلاقات الخارجية مع إيران على رأس ثاني وفد يزور الجمهورية الإسلامية بعد إسقاط الشاه.
مرّت المنطقة بعواصف سياسية شديدة، كانت فيها الحركة في قلب هذه العواصف، لكن العلاقة مع الشيعية السياسية لم تتأثر، حتى بعد مقتل الشيخ أحمد مفتي زاده، مسؤول التنظيم في إيران، والذي بكاه يوسف ندا في برنامج "شاهد على العصر" في "الجزيرة". وعلى الرغم من كل ما سيق للحركة من تهم الخيانة، من دول الخليج، المناوئة لإيران صاحبة أيديولوجيا "تصدير الثورة"، فرضت هذه العلاقة التاريخية والمميزة نفسها على الساحة العربية، لكن غزو العراق، ثم الربيع العربي وتجلياته، قلبا الصورة.
اليوم، على عكس ما يشاع في إعلام الطرفين، فإن الديمقراطية والمقاومة ليستا ما قادهما إلى حرق الجسور، فقد تضاربت المصالح بين "الإخوان" و"الشيعية السياسية" على مستوى جميع الأقطار العربية تقريباً. ولسوء حظ العرب، أو من حسن الطالع مستقبلاً، اكتسى هذا التعارك لوناً طائفياً ومذهبياً، بفعل اضمحلال اللغة السياسية لمصلحة اللغة الطائفية، في وسائل الإعلام الضخمة التي يمتلكها كل طرف، وكذلك لدورهما في تعبئة المقاتلين وتحشيدهم في ساحات القتال. فسورية ليست وحدها ما يغذّي الصراع بينهما. هناك ساحات اليمن والبحرين والعراق، وكلها مشتعلة، ويوجد فيها كل طرف بجانب حلفائه بقوة، مرة في هيئة معارضة، ومرّات في هيئة أنظمة حكم.
يقول القرضاوي إن أكثر شيء نادم عليه في حياته، هو التقارب مع الشيعة، ويقول الطرف المقابل إنه لا أمل في "الإخوان". أخذت هذه المعركة الطائفية أرواحاً وأموالاً كثيرة، ولا بد لها أن تتوقف في لحظة ما، وقد يبشّرنا توقفها بنهاية الإسلام السياسي. وربما إلى الأبد.

شاهد الخبر في المصدر العربى الجديد




0 تعليق