555555555555555

لم يعد القاتلُ وحيدًا

العربى الجديد 0 تعليق 253 ارسل لصديق نسخة للطباعة

كان القاتلُ قد جال في شاحنته ثقيلة الوزن المستأجَرة، يومين متتاليين، خطّط فيهما لما ستكون عليه المقتلة التي ينوي ارتكابها، وكيف له أن يُطيلها ما استطاع، كي يحصد العدد الأكبر من القتلى، قبل أن يحصده الرصاص. أراد أن ينهي حياته، وقد أثقلت عليه ظروفه من طلاقٍ وعنصريةٍ وضيق عيش؟ أجل، ربما. لكنه لم يفعل كضحية، وإنما كجلاد.

كل ما عُرف عنه أنه تونسي، يدعى محمد لحويج بوهلال، من مواليد ضاحية مدينة سوس، جاء إلى فرنسا شاباً، ليقيم على أطراف مدينة نيس. في الـواحدة والثلاثين من عمره، سبق أن كان من مرتكبي أعمال السرقة والعنف، لكنه لم يكن يملك سجلاً كجهاديّ أو راديكالي، إذ كان مجهولاً لدى أجهزة الاستخبارات الفرنسية، وإن عُرف لدى الشرطة في جرائم جنائية. أفادت شهادات المقربين منه بأنه لم يكن متديّناً أو ملتحياً أو من رواد المسجد للصلاة، بل كان يُعنى جيداً بشكله، ويرود أحد النوادي الرياضية، وكان محبّاً للنساء، يرتاد الحانات ويشرب الكحول. وقد قال والده عنه إنه أصيب ما بين 2002 و2004، بانهيار عصبيٍّ حاد، اضطره لمتابعة علاج لدى طبيب نفسي تونسي.

يوم الرابع عشر من شهر يوليو/ تموز الجاري، وهو العيد الوطني في فرنسا، ركب بوهلال دراجته الهوائية، واتجه إلى حيث ركن شاحنته التي تزن 19 طناً، رمى الدراجة داخلها، ثم جلس في المقعد الأمامي. وقبل أن يدير محرّك الشاحنة، فتح الحقيبة التي أودعها يوم أمس تحت المقعد الأمامي المجاور لمقعده، وأخرج منها مسدّساً حشاه ووضعه تحت فخذه اليمنى، ومسدساً آخر ألقاه على المقعد المجاور، ومن ثم قنبلة يدوية ورشاشين، تناول أحدهما، وجعل يطلق رصاصاً وهميا، فيما تجمع اللعاب المتطاير من فمه أسفل ذقنه. كانت تلك الأسلحة ألعاباً ليس أكثر، إنما لم يجد بوهلال لائقاً به أن يخرج بمسدسٍ يتيم، وهو على وشك تنفيذ عملية كبيرة. أجل، يجب أن يكون مدجّجاً بالسلاح، لأنه سينتقم ممن أذلّوه ونظروا إليه كما لو كان صرصاراً في هذه المدينة الثرية المتعالية التي يميل أهلها جميعاً إلى اليمين المتطرف، ويكرهون المسلمين والغرباء. أجل سينتقم من زوجته، ومن هذه الحياة القحبة، وسيري أولاده الثلاثة أن أباهم مجاهد وليس "لا أحد"، بل هو ابن "دولة إسلامية" تحارب الكفّار ممن يكرههم، وتتبنى أمثاله ممن عادوا إلى الصراط المستقيم، حتى ولو جاءت توبتهم متأخرة. 

ضغط بو هلال دوّاسة البنزين، بعد أن تمتم بصلاةٍ سريعةٍ طلب فيها رضى ربه وغفرانه عما بدر منه سابقاً، ثم تفكّر بما هو مقدمٌ عليه، وكيف أنه بات على قاب قوسين من ردّ اعتباره. انطلقت الشاحنة الهائلة سالكةً جادة "نزهة الإنكليز" الساعة 10.45 ليلاً، حيث اجتمعت حشودٌ مؤلفة من عائلاتٍ وأفراد، فرنسيين وسيّاح، للفرجة على مشهد الألعاب النارية السنوية الخاصة بالمناسبة.

ضغط بوهلال على دوّاسة الوقود، فوقع أول قتيل، وبدأ تساقط القتلى...

كان يرتعد جنوناً، حين رأى أنه اجتاز شرطيين أطلقا النار عليه، ولم يتمكّنا من إيقافه. أسرع. راحت عجلات الشاحنة تصرّ، وهي تهرس أجساداً، أو ترتطم بها، فترسلها عاليا لتصطدم بالأسفلت. كان يراهم يتطايرون من حوله، وهم يركضون مذعورين كحشرات، في جميع الاتجاهات، وإذ يفرغ المشهد من أمامه منهم، كان ينعطف ليتبعهم إلى الرصيف، حيث تجمّعوا مذعورين يحاولون الإفلات.

استمر هكذا على مسافة 1700 متر، وصل من بعدها إلى الحاجز الوحيد. أطلق النار، فردّ عناصر الشرطة. ما زال أمامي وقت، كان بوهلال يردّد. أدهس بعدُ هؤلاء، ثم يلف مقوده باتجاههم ويهجم. قطع 300 متر إضافية، حتى أرداه الرصاص قتيلاً. ما بين الرقم 11 من الجادّة والرقم 147، كان قد دهس 84 قتيلاً، بينهم 10 أطفال، نساء وعواجيز، وأوقع 200 جريح، ما يزال رُبعهم في حال حرجة.

لم يعد القاتل وحيداً أو يتيماً. بات له إخوة، عائلة كبيرة و"دولة" تقبله كيفما كان، شرط أن يُحسن القتل. بات له اسم، انتماء، وزن، بعد أن وُجد من يمنح اختلاله هدفاً، من يُشرعن إجرامه، ومن يوهم أنه صاحب رسالةٍ ما.

 

 

 

شاهد الخبر في المصدر العربى الجديد




0 تعليق