555555555555555

عزمي بشارة وحل السلطة الفلسطينية

العربى الجديد 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة

فوجئ مثقفون أصدقاء، قرّاء للدكتور عزمي بشارة، ويمحضونه تقديرا عاليا، ويلتقون مع أطروحاتٍ ومواقف كثيرة له، بأنه لا يتبنّى في كتابه "صفقة ترامب نتنياهو.. " (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020)، حلّ السلطة الوطنية الفلسطينية، في معرض ما يدعو إليه (أو يقترحه) في مواجهة الخطة الأميركية الإسرائيلية الجديدة للإجهاز على القضية الفلسطينية، إذ لا يستقيم، في عُرفهم (طالَعوا مراجعاتٍ للكتاب، ولم يتوفّر بين أيديهم بعد) أن يواصل المفكّر المعروف نقده اتفاق أوسلو، منذ توقيعه في 1993، وفي الكتاب أيضا، فيما هو مع الحفاظ على هذه السلطة، الفاسدة، والتي لا وظيفة لها، بحسبهم، سوى التنسيق الأمني مع الاحتلال، عدا عن أنها أساسا من نواتج "أوسلو" نفسه. ويستعيد الأصدقاء مرحلة ما قبل قيام السلطة، أن الفلسطينيين في الأراضي المحتلة كانوا يتعلّمون في المدارس والجامعات، ويتطببون في المستشفيات، ويبيعون مزروعاتهم، ويحجّون إلى البيت الحرام، فليسوا في حاجةٍ للسلطة الوطنية لتتولى هذه المسؤوليات. ويجد أصحاب هذه الفكرة، السجالية المجرّدة ربما، غرابةً في أن بشارة لا يناصر الشعب الفلسطيني في التخلّص من هذه السلطة القامعة، والتي تشكلت منها طبقاتٌ من المنتفعين من الاحتلال، فيما هو يقف مع ثورات الشعوب العربية ضد أنظمة الاستبداد والفساد.

جيدٌ أن يستجدّ جدالٌ فلسطيني مسؤول، ورفيع اللغة، في هذه المسألة (وغيرها طبعا). وطيبٌ أن تُستقبل أفكارٌ للدكتور بشارة بالنقاش الجدّي والجاد، والنقدي العلمي. والراجح أن هذا ما يتوخّاه كل صاحب فكر. ومن الملحّ أن تضجّ، في المناخ الثقافي العربي، الراكد، مطارحاتٌ بين الآراء، بالأسلوب المجدي، المبتعد بداهةً عن السفاهات المسترسلة، كما الماثلة في ملاعب "السوشيال ميديا" إياها. ولمّا كان كثيرون أقدر من صاحب هذه المقالة على بسط الأسس التي تصدر عنها أطروحات عزمي بشارة في أسئلة التغيير السياسي والثورات العربية، وفي الموضوعة الفلسطينية، وأقدر ربما على الوقوع على الجوهري في التفاصيل الوفيرة في هذه الشؤون (وغيرها)، إلا أنه يحسُن، هنا، إيضاح أن بشارة لم يكن انقلابيا، في أيٍّ من كتبه وبحوثه ومحاضراته ومقابلاته، وفي مشروعه الفكري عموما. ولم يتوجّه يوما إلى الشعوب العربية يدعوها إلى الثورات والتظاهر في الشوارع، لا لشيءٍ إلا لأنه ليس ناشطا سياسيا ولا داعيةً حزبيا، بل هو يقف مع الثورات عندما تقوم، ولمّا تقوم لا يُطالب السلطات المستجدّة (الانتقالية وما بعدها) بنصب المقاصل، بل حدث غير مرةٍ أنه دعا إلى مقايضاتٍ سياسية مع قوىً مختلفٍ معها، وإلى تسوياتٍ مع ذوي الأوزان والكفاءات في الأنظمة المخلوعة، أو المتظاهَر ضدّها. وليس مفاجئا أنه، في الأسابيع الأولى من الثورة السورية، كان يحثّ نظام الأسد على الإصلاح "خشيةً من أن تقود طريق القمع سورية إلى المجهول"، بتعبيره.
يجد الساخطون على اتفاق أوسلو، والناقمون على السلطة الفلسطينية، والحانقون على أداء منظمة التحرير، الكثير مما يستطيبونه في هذا كله في كتاب "صفقة ترامب نتنياهو .. "، إنما بلغةٍ علميةٍ نقديةٍ تحليلية، ذات نزوع منهجي. ولأن المعرفة التي تفكّك الواقع، وتذهب إلى المحسوس والعملي والقائم، ولا تستغرق في المجرّد والذهني (ولا الانفعالي طبعا)، هي التي يسلكها عزمي بشارة في شغله الفكري، وكذا في "فصفصته" (بتعبير صقر أبو فخر) الصفقة في كتابه الجديد، فإن عدم تبنّيه فكرة حل السلطة الفلسطينية يصير متّسقا تماما مع موقفه النقدي من هذه السلطة، وهو الذي يرى، في الكتاب، أن "فخّ أوسلو" حوّلته القيادة الفلسطينية، بعد الانتفاضة الثانية، إلى "استراتيجيةٍ في قبول منظمة التحرير استبدال حركة تحرّر وطني بسلطة دون دولة".
لأن كل إيجاز مخلّ، الأدعى أن يطالع المتحمّسون لحل السلطة الفلسطينية، ممن على قرابةٍ فكريةٍ ووطنيةٍ مع عزمي بشارة، في الكتاب (160 صفحة بالفهارس والجداول والخرائط)، محاجَجته في هذا الشـأن. ومما فيها أن السلطة ليست شركةً أو فريقا كشفيا أو فريق كرة قدم، وإنما شبكة مؤسساتٍ ومصالح ومئات آلاف الموظفين ورجال الأمن، وإذا دعا أبو مازن الاحتلال إلى أن يعود ليتسلم مسؤولياته، فإن إسرائيل ستشكره على الدعوة، وتعتذر عن تلبيتها..
ما الذي يحدث لو جرى حل السلطة؟ ما هي الخيارات بشأنها إذا سلّمنا بعدم وجاهة حلها؟ ما هي مساحات أدائها وما مهمات منظمة التحرير؟ يقترح عزمي بشارة إجاباته عن هذه الأسئلة (وأخرى غيرها) في الكتاب.

شاهد الخبر في المصدر العربى الجديد




0 تعليق