555555555555555

ذكرى 30 يونيو: الفن في طوابير الدوائر الأمنية

العربى الجديد 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة
في الفيلم المصري "سمع هس" (1991) الذي كتبه السيناريست ماهر عواد، وأنتجه وأخرجه شريف عرفة، يغني البطلان، أي وممدوح عبد العليم (حلاوة وحمص)، في مشهد النهاية أغنيتهما الأخيرة، ويطلقان صيحتهما ضد الظلم والفساد واغتصاب حقوقهما البسيطة، المتمثلة في هذه الحالة بأغنية ألّفاها ولحّناها ويريدان غناءها. غنّى البطلان بكلمات بهاء جاهين وألحان مودي الإمام "على ما تهل سنة 2000 هتشوف طريقنا مودي لفين.. هنكون فوق، فوق، فوق، فوق.. وأطول واحد فيكوا هيجي تحت كتافنا كده بشبرين". كانت تلك الصرخة الأخيرة لحمص وحلاوة في مواجهة منظومة كاملة من الفساد.

يبدو أن الرئيس المصري ونظامه و في كل المجالات تلبستهم روح تلك الأغنية، واستلهموا قصة الفيلم. لكن لم تختر هذه الطبقة الحاكمة شخصية "حمص" و"حلاوة" بطلي الفيلم الشهير، بل تقمصوا جميعهم شخصية "غندور" (الممثل حسن كامي)، المطرب الذي سرق لحن الأغنية من البطلين، وبدأ برشوة وإغراء كل فنان أو شخص يحاول أن يشهد بالحق، ويدافع عن "حمص" و"حلاوة".
قصة هذا الفيلم تحديداً، مطابقة لواقع المشهد الفني المصري في ظل الحالي: فقدان للأمل، وإحباط وعجز عن أي مواجهة. فالسيسي الذي وعد المصريين بمصر مختلفة في 30 يونيو/ حزيران 2020، وأوهم الفنانين في أكثر من لقاء بمستقبل مختلف ومشرق يشهد تطويراً للفنّ، أخفق مجدداً في تحقيق أيٍّ من وعوده.
عند النظر إلى واقع الصناعة الفنية في مصر، يبدو التدهور واضحاً، خصوصاً بعد فرض الدولة هيمنتها على الإنتاج الدرامي، والسينمائي، وظهور عشرات القيود الرقابية الجديدة. هكذا، لم يعد هناك نص سينمائي أو تلفزيوني يمرّ من دون موافقة الجهات الأمنية، وبات ممنوعاً منعاً باتاً أي انتقاد لشخصية ضابط الشرطة أو الجيش، ولو عسكرياً أو أمين شرطة. وفي حال ظهور هذه الشخصيات في أعمال درامية أو سينمائية، يجب أن تكون مثالاً يُحتذى به في الشرف والوطنية والأمانة والبطولة. وإلى جانب الرقابة السياسية والأمنية على المحتوى، ظهرت "الرقابة الأخلافية"، فاختفت أي مشاهد جنسية، واختفت كذلك اللغة المحكية في الشارع لتحلّ مكانها لغة "تحترم الأخلاق"، في خطّ يتماشى تماماً مع الرسالة التي وجهها السيسي نفسه إلى النجمين أحمد السقا ويسرا في احتفالات الشرطة في يناير/ كانون الثاني 2015، حين قال لهما: "ربنا هيحاسبكوا".
بالتزامن مع كل هذه القيود، بدأت تتسرب قوائم سوداء تضمّ أسماء الفنانين الذين انتقدوا السيسي أو أي ركن من أركان نظامه.
ولإحكام قبضته على المشهد، استولى النظام على أغلب القنوات المحلية، مؤسساً شركة تابعة للمخابرات تحمل اسم "المتحدة للخدمات الإعلامية"، وتضم شركة "سينرجي" التي تعمل في مجال الإنتاج السينمائي والدرامي.
أمام هذا الواقع المتدهور، باتت الأعمال الفنية التي تخرج إلى النور مجرد نسخ متطابقة لروايات تريدها السلطة أن تصل إلى الجمهور. لنأخذ على سبيل المثال الإنتاج السينمائي. عام 2014، كان ازدهار هذه الصناعة مستمراً، وخصوصاً لجهة المضامين التي باتت أكثر واقعية في السنوات الأولى بعد ثورة 25 يناير/ كانون الثاني 2011. هكذا شهدت تلك السنة إنتاج أفلام عدة، مثل "الخروج إلى النهار"، و"ديكور"، و"لا مؤاخذة"، و"فتاة المصنع"، و"عن يهود مصر"، و"الفيل الأزرق"، و"الجزيرة 2"، و"أسرار عائلية". وخلف هذه الأشرطة، كانت هناك شركات عدة لا تزال نشطة في مجال الإنتاج.
لكن كل ما جاء بعد تلك السنة كان سوداوياً. فبدأت السينما المستقلة تتراجع، وأعمال كثيرة تُمنَع من العرض، مثل "آخر أيام المدينة" (2017) الممنوع من العرض داخل مصر حتى الآن، رغم مشاركته في مهرجانات دولية عدة، وفوزه بأكثر من جائزة.
هذه العوامل دفعت عدداً كبيراً من المنتجين إلى التوقف عن العمل، بينما اكتفى بعضهم، وتحديداً أصحاب الصالات وشاشات العرض بتوزيع الأفلام الأميركية، بين هؤلاء مثلاً الفنانة إسعاد يونس. لكن حتى هذا الهامش بدأت "الشركة المتحدة للإعلام" بتضييقه، إذ تعمل منذ أشهر طويلة على شراء دور وشاشات عرض لتكون لها أيضاً اليد العليا في التوزيع السينمائي، مثلما فرضت سيطرتها على شاشات العرض التلفزيوني.
ورغم أن الشركة لم تستحوذ حتى الآن على معظم شاشات العرض، إلا أنها تملك الكثير من أساليب الضغط على المنتجين، منها تأخير النصوص في جهاز الرقابة، أو عدم منح موافقات نهائية. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل غالباً ما تطالب بعض المنتجين بوضع اسم "سينرجي" عنوة كشريك إنتاجي، أو تضيّق الخناق على أفلام محددة رفض منتجوها أو فنانوها العمل مع الشركة. وهو ما حصل مثلاً مع الفنان أحمد حلمي وفيلمه "خيال مآته" (2019)، وفيلم الفنان محمد سعد "محمد حسين" (2020). وقد تعرض الشريط الأخير لضغوط كبيرة، بعد رفض محمد سعد التوقيع للعمل مع شركة "سينرجي" بسبب الشروط التي وجدها مجحفة. هكذا وصل تعميم إلى وسائل الإعلام بمهاجمة الشريط، ليُسحَب سريعاً من صالات العرض. مقابل هذا الضغط تجبر الشركة الصالات على فتح كل شاشاتها لعرض الأعمال التي تنتجها هي مثل ما حصل مع "كازابلانكا"، و"الفيل الأزرق 2"، و"أولاد رزق 2"، و"لص بغداد".
أما على مستوى الإنتاج الدرامي، فالوضع لا يبدو مختلفاً. إذ منذ أحكمت "المتحدة" سيطرتها، انخفض عدد الأعمال الدرامية إلى 24 عملاً فقط، 15 منها من إنتاج "سينرجي"، بينما كان يبلغ عددها 40 عملاً سنوياً في سنوات سابقة.

اقــرأ أيضاً

وفي رمضان 2020 مثلاً، سيطرت المسلسلات التي تدور حول بطولات رجال القوات المسلحة المزعومة من خلال أكثر من مسلسل، أولها "الاختيار" الذي يتناول حياة ضابط الصاعقة أحمد صابر المنسي، قائد الكتيبة 103 صاعقة، الذي قتل في كمين مربع البرث في مدينة رفح المصرية عام 2017 بأثناء التصدي لهجوم في سيناء.

شاهد الخبر في المصدر العربى الجديد




0 تعليق