555555555555555

مسار المفاوضات بين إقليم صوماليلاند والحكومة الفدرالية .. فرص النجاح والفشل

العربى الجديد 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة

استضافت جيبوتي، في الفترة 14 - 18 حزيران/ يونيو 2020، جلسة جديدة من المباحثات بين "جمهورية" أرض الصومال (صوماليلاند) المُعلنة من طرفٍ واحد والحكومة الفدرالية الصومالية، بمشاركة رئيسَي البلدين، وحضور الرئيس الجيبوتي ورئيس الوزراء الإثيوبي، والسفير الأميركي في الصومال، ورئيس الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، وممثلين عن الاتحاد الأوروبي.

لا يحمل السياق الذي جاء فيه استئناف المفاوضات، بعد تعثّرها سنوات، من ناحية مواقف الطرفين المُعلنة أيّ جديد، بل زادت في الواقع حدّة الخلافات منذ وصول رئيسين جديدين إلى سدة الحكم؛ محمد عبد الله فرماجو في مقديشو، وموسى بيحي عبدي في هرجيسا، عاصمة صوماليلاند. وتبادل الطرفان، منذ ذلك الوقت، الاتهامات بالتملّص من الاتفاقيات السابقة، والمسؤولية عن فشلها.
وعلى الرغم من أن الرئيس فرماجو قدم أول مرة اعتذارًا رسميًا في بداية 2020 عن الجرائم التي ارتكبتها الحكومة الصومالية في عهد الرئيس السابق محمد سياد بري (1969 - 1991) ضد الإقليم، فإنه يصعب توقع حصول تقدّم حقيقي بشأن مسألة الانفصال. ولذلك، يركّز الجانبان على تسجيل نقاط جانبية تتعلق باقتسام المساعدات الدولية، في حين يسعى الرئيس فرماجو إلى تحقيق بعض المكاسب السياسية التي قد تفيد في الانتخابات الرئاسية المقرّرة مطلع 2021.
خلفية الصراع
أعلن إقليم صوماليلاند انفصاله من طرف واحد في 18 أيار/ مايو 1991. ويقوم ادعاء الإقليم بالسيادة على سرديةٍ تتصل بكونه إقليمًا مختلفًا عن بقية الصومال؛ إذ نال استقلاله عن بريطانيا 
"يقوم ادعاء إقليم صوماليلاند بالسيادة على سرديةٍ تتصل بكونه إقليمًا مختلفًا عن بقية الصومال"
قبل أن يتحد مع الصومال الجنوبي الذي نال استقلاله عن إيطاليا، ونشأ من اتحادهما عام 1960 ما سُميت "جمهورية الصومال الديمقراطية".
ولم يحظ الإقليم باعترافٍ دولي وأفريقي واسع، على الرغم من مرور ثلاثة عقود على انفصاله. وكان الاتحاد الأفريقي أرسل بعثةً لتقصي الحقائق إلى صوماليلاند عام 2005، أوصت، في تقريرها النهائي، بالاعتراف بها دولة مستقلة. وجاء في التقرير أن "الوحدة التي قامت في عام 1960 بين صوماليلاند وجمهورية الصومال تسببت في مظالم ومعاناة هائلة لشعب الإقليم". إلا أن ذلك التقرير لم يُطرح في المناقشات الوزارية للاتحاد الأفريقي، في تعبيرٍ واضح عن تمسّك الاتحاد بسياسته المعلنة والرافضة أيّ محاولةٍ انفصاليةٍ في القارّة، بحجة أنها تفتح صندوق "باندورا"، نتيجة الصراعات الحدودية القائمة في أنحاء القارّة. وتشترط دول كثيرة أن يبدأ أيّ اعتراف مستقبلي لإقليم صوماليلاند من الحكومة الفدرالية الصومالية. لكن ثماني سنوات من المفاوضات المتقطّعة بين الطرفين لم تسفر عن أي نتيجة.
انطلاق المفاوضات وانهيارها (2012 - 2015)
انتهج إقليم صوماليلاند، منذ إعلان استقلاله، سياسة القطيعة مع مؤتمرات المصالحة الخاصة بالصومال، منذ مؤتمر جيبوتي الأول في عام 1991 باعتبار أنه لم يعد جزءًا من الصومال. ولكن مشاركته في مؤتمر لندن، في 23 شباط/ فبراير 2012، مثّلت انعطافة في موقفه. وتضمّنت مخرجات ذلك المؤتمر بندًا خاصًا يشير إلى دعم المجتمع الدولي أي حوار بين صوماليلاند والحكومة الفدرالية الانتقالية أو من يحل محلها، من أجل توضيح العلاقات المستقبلية فيما بينهما. وعقد في حينه أول اجتماع بين رئيس الحكومة الصومالية الانتقالية شيخ شريف شيخ أحمد ورئيس صوماليلاند وقتها أحمد محمود سيلانو، وكان الأول من نوعه منذ إعلان الانفصال. وقاد هذا اللقاء إلى لقاء رسمي عُقد في دبي في حزيران/ يونيو 2012، بين الرئيسين، ومثّل انطلاقة رسمية للمفاوضات بعد قطيعة استمرت أكثر من عقدين.
واستضافت تركيا، في إطار اهتمامها المتنامي بالصومال في العقد الأخير، ثلاث جولاتٍ من أصل ست جولات من المفاوضات، خاضها الطرفان منذ ذلك الحين. وعُقدت أول جولة منها في أنقرة في 13 نيسان/ أبريل 2013، على مستوى الرؤساء. وجاء هذا اللقاء بعد اختيار رئيسٍ جديد للصومال، وخروج الحكومات الصومالية من الحالة الانتقالية، وحصولها على اعتراف من المجتمع الدولي. وصدر عقب الاجتماع ما عُرفت بـ "وثيقة أنقرة"، التي نصّت على ثلاثة عشر بندًا، منها: تبادل المعلومات الاستخباراتية بين الطرفين، والتعاون في مجال مكافحة الإرهاب والتطرّف والقرصنة البحرية، ومكافحة الدفن غير المشروع للمواد السامة في المياه الإقليمية الصومالية.
عُقد بعد ذلك مؤتمر إسطنبول الأول في 7 - 9 تموز/ يوليو 2013، لكنه لم يناقش مصير 
"فاقمت الأزمة الخليجية عام 2017، خلافات الطرفين المتخاصيمن في الصومال، حيث تم اتخاذ مواقف متباينة منها"
الإقليم والسيادة المتنازع عليها. وتوصل الطرفان إلى اتفاقٍ على إمكانية تلقّي صوماليلاند المساعدات الدولية مباشرة من المانحين الدوليين، والسيطرة على المجال الجوي. وفي 16-19 كانون الثاني/ يناير 2014 عُقد مؤتمر ثانٍ في إسطنبول، اتفق خلاله الطرفان على إنشاء مجلس لمراقبة الحركة الجوية، على أن يكون مقرّه في هرجيسا، وتتكون لجنته الفنية من أربعة أعضاء (اثنان من صوماليلاند واثنان من الصومال). وتضمن الاتفاق أيضًا فقرةً ندّدت بالمجازر الجماعية التي ارتكبها نظام الحكم العسكري السابق ضد سكان صوماليلاند عام 1988.
وفي 21 كانون الأول/ ديسمبر 2014، استضافت جيبوتي جولةً أخرى من المفاوضات، تم فيها التأكيد على البنود المتفق عليها في المؤتمرات السابقة، وعدم تسييس المساعدات الإنمائية والابتعاد عن الاتهامات السياسية التي تضرّ استمرار المفاوضات. وتم تحديد عقد جولةٍ لاحقةٍ من المفاوضات في إسطنبول بعد تسعين يومًا. لكن المفاوضات انهارت قبل انعقاد الاجتماع الثالث في إسطنبول، على الرغم من وصول الوفود المشاركة في كانون الثاني/ يناير 2015، لأن وفد حكومة مقديشو ضمّ أعضاء ينحدرون من صوماليلاند، ولم يتم تنفيذ البنود المتعلقة بنقل السيطرة على المجال الجوي إلى هرجيسا. وبذلك توقفت المحادثات بشكل كامل، وتبادل الطرفان الاتهامات عن انهيار المفاوضات.
وبوصول الرئيسين الجديدين، محمد عبد الله فرماجو إلى سدة الحكم في مقديشو في شباط/ فبراير 2017، وموسى بيحي عبدي في كانون الأول/ ديسمبر 2017 في هرجيسا، ساءت العلاقات بين الطرفين بشكل ملحوظ. وفاقمت الأزمة الخليجية عام 2017، خلافات الطرفين، حيث تم اتخاذ مواقف متباينة منها. وكانت اندلعت أزمة دبلوماسية بين الإمارات العربية المتحدة والحكومة الفدرالية الصومالية، بعد حصول شركة موانئ دبي على عقود لإدارة ميناء بربرة في صوماليلاند، واعتبرته الحكومة الفدرالية خرقًا لسيادة الصومال. ووصف وزير الخارجية الصومالي أحمد عوض، في مقابلة تلفزيونية، استمرار الإمارات في التعامل مع طرفٍ لا يملك شرعية دولية بأنه "إساءة لبلاده".
وفي شباط/ فبراير 2020، حاول رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، إحياء مسار المفاوضات بين الجانبين، وتمكّن من عقد اجتماع غير رسمي بين الرئيسين فرماجو وبيحي عبدي على هامش القمة الأفريقية المنعقدة في أديس أبابا، وتم طرح مقترح لقيام رئيس الصومال، بمعية رئيس الوزراء الإثيوبي، بزيارة هرجيسا، على غرار الزيارة التي قام بها آبي أحمد إلى إريتريا في منتصف 2018، وأنهت القطيعة الإثيوبية - الإريترية. ولكن حكومة صوماليلاند رفضت استقبال الرئيس الصومالي، قبل أن يعلن الأخير اعترافه بها دولة مستقلة. واستبعد رئيس صوماليلاند إمكانية إجراء أي محادثاتٍ مع الطرف الصومالي، ودعا المجتمع الدولي إلى الاعتراف باستقلال بلاده.
جديد مفاوضات جيبوتي
جاءت هذه الجولة من المفاوضات بدعوة من الرئيس الجيبوتي، إسماعيل غيله. ويبدو أن الولايات المتحدة الأميركية والدول الإقليمية، خصوصا جيبوتي وإثيوبيا، تدفع في اتجاه إيجاد حل للمشكلة 
"لوحظ غياب تركيا عن مفاوضات جيبوتي، علمًا أنّها الراعي التقليدي لمحادثات السلام بين إقليم صوماليلاند والصومال"
العالقة منذ ثلاثة عقود، كما جاء في الكلمات الافتتاحية للمشاركين في المؤتمر. فقد قال الرئيس الجيبوتي: "إن الوقت قد حان لإعادة بناء الأمة الصومالية، في الوقت الذي يستعد الصوماليون للاحتفال بالذكرى الستين لاستقلالهم". وحملت كلمة رئيس الوزراء الإثيوبي التوجهات نفسها، وتحدّث عن "إعادة اللحمة بين الصوماليين"، بينما رحب السفير الأميركي في الصومال ببدء المحادثات، ووصفها بـ "الاجتماع التاريخي"، وحثّ جميع الأطراف على فعل كل ما من شأنه أن يحقق مصالح الصوماليين.
مع ذلك، لم تسجل المفاوضات التي استمرت أربعة أيام أيّ اختراقٍ بسبب تمسّك الطرفين بمواقفهما، حيث جعلت المواقف "الحازمة" من كلا الجانبين؛ الانفصال مقابل الوحدة، المنصوص عليها في دستور كل بلد، مهمة التفاوض بشأن تقرير المصير مستحيلة. لكنّ الطرفين اتفقا على استئناف المفاوضات في جيبوتي بعد خمسة عشر يومًا لحل القضايا الخلافية، وهي المساعدات الخارجية والأمن وإدارة المجال الجوي. وتم تشكيل ثلاث لجان فرعية فنية لمعالجة هذه الموضوعات.
فرص نجاح المفاوضات
على الرغم من تنامي الاهتمام الدولي والإقليمي بإيجاد حل للمشكلة الصومالية، وتزايد فرص دفع المسار السياسي، فإنّ التوقعات بتحقيق اختراق في المفاوضات بين مقديشو وهرجيسا تبقى ضئيلة، فانخراط الولايات المتحدة ما زال على مستوى سفاراتها في المنطقة، أما الشركاء الإقليميون، أي إثيوبيا وجيبوتي، فيواجهون هم أنفسهم تحدّيات داخلية كبرى، ففي إثيوبيا مدّدت الحكومة الانتقالية، برئاسة آبي أحمد، لنفسها، بحجة جائحة كورونا. ويقدم آبي أحمد نفسه، منذ وصوله إلى سدة الحكم، بوصفه عرّابًا للسلام في المنطقة، خصوصًا بعد حصوله على جائزة نوبل للسلام العام الماضي، عقب توقيع اتفاق السلام مع الجارة إريتريا. وقام منذ ذلك الحين، بمساعٍ لتقريب وجهات النظر بين دول القرن الأفريقي، بما فيها الخلاف البحري القائم بين الصومال وكينيا، وبين الفرقاء في جنوب السودان. ولكن مقاربته للنزاع مع مصر والسودان بشأن سد النهضة تثير قلقًا متزايدًا في المنطقة.
إضافة إلى ذلك، لوحظ غياب تركيا عن مفاوضات جيبوتي، علمًا أنّها الراعي التقليدي لمحادثات السلام بين إقليم صوماليلاند والصومال، وقد عينت تركيا، في عام 2018، أولغان بكار سفيرها السابق في مقديشو مبعوثًا خاصًا إلى الصومال، وهي الدولة الوحيدة التي تعيّن مبعوثًا لها بهذا الشأن. كما لوحظ غياب الاتحاد الأفريقي عن المباحثات، ما عدّ مؤشرًا على الفرص الضئيلة لتحقيق تقدّم.
خاتمة
فشل إقليم صوماليلاند في انتزاع اعتراف دولي باستقلاله، على الرغم من مرور ثلاثة عقود على إعلان الانفصال من طرفٍ واحد. وفي الجانب الآخر، يرفض الرئيس فرماجو تحمّل مسؤولية شرعنة انفصال جزء من بلاده، خصوصا على أبواب انتخاباتٍ رئاسيةٍ تجري خلال ستة أشهر. لذلك من المتوقع ألّا تؤدي أيّ مفاوضات مستقبلية إلى تحقيق اختراق حقيقي، في انتظار تغير الظروف الداخلية لأحد الطرفين، أو البيئتين، الإقليمية والدولية.

شاهد الخبر في المصدر العربى الجديد




0 تعليق