http://store2.up-00.com/2016-05/146458253941.png

اخبار ليبيا : أوصاف الليبيين عند بعض الرحالة والمؤرخين

عين ليبيا 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة



بقلم: محمود المعلول

مر كثير من الرحالة والمؤرخين عبر الأراضي الليبية التي كانت تسمى بطرابلس في ذلك الوقت، وكان أكثر هؤلاء الرحالة من حجاج بيت الله، ومن الطبيعي أن الرحلات هي تسجيل للأحوال الاقتصادية والسياسية والاجتماعية فهذه الرحلات ذكرت العلماء، وذكرت القبائل، وذكرت أسماء الأماكن وأحوال الناس.
تجدر الإشارة إلى أن اسم ليبيا كدولة لم يظهر إلا في العصور الحديثة ، وكانت هذه البلاد في السابق نظراً لكبر مساحتها مقسمة بين الشرق والغرب فمنطقة الشرق تأثرت كثيراً بمصر حتى في عادات السكان ، ومنطقة الغرب تأثرت بالمغرب الإسلامي تونس ، وكانت طرابلس عبر تاريخها طويل ، وفي كثير من الأحيان تتبع الدول التي حكمت تونس مثل الدولة الحفصية والفاطمية والأغالبة وغيرهم.
إن الرحلات مرآة صادقة تعكس الحالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للسكان ، ولقد كانت بلادنا بلد الجود والكرم فأحد الرحالة الذين مروا بهذه البلاد يذكر كرم أهل منطقة زليتن ( ظلتين ) فيقول عنهم بأنهم قدموا لهم أربعين (40) قصعة بازين ، بالإضافة إلى الدلاع والتمور .
وكان البازين من الآكلات المشهورة عند أجدادنا في الماضي ، وذكره المؤرخون أمثال ابن خلدون والحسن الوزان ، وفي البازين يقول العالم والفقيه الطرابلسي إبراهيم باكير (1865 ـ 1945 م) :
خير الموائد عندنا البازين ……….. واللحم طازج حوله وسمين
فاقطع بكفك قطعة من جنبه ………… ثم ادلكنها دلكة فتلين
حتى إذا ما أشبعت مرقاً فكل …… بالخمس من يمناك فهي تعين
من بعدها كاسات شاي أخضر ……….. ورقيلة صوت لها ورنين
إن البازين والزميتة وخبزة الملة من الآكلات القديمة المعروفة في ليبيا ، وعند العرب عموماً حتى في العصر الجاهلي ، وقد كانت بليبيا في بداية العهد العثماني (1123 ـ 1251 هـ / 1711 ـ 1835 م) عملة تسمى بالقرميل ، وعملة أخرى تسمى بالكلب سميت بذلك لأنها كانت على صورة كلب حيث ذكر الرحالة المغربي ابن ناصر الدرعي (ت 1181 هـ / 1768 م) الذي زار ليبيا سنة 1120 هـ / 1709 م ذلك فقال : ” اكترينا رجلاً ………… بخمسة كلاب ” ، وقال كذلك : ” بيع التمر بأربعة قفاف لكلب ” ، وواضح من النص السابق إن الكلب قيمته (4) قفاف جمع قفة .
وكانت الناس في ذلك الزمان مترابطة تسودها المحبة والود والتعاون فالبيئة كانت مختلفة عما هي عليه اليوم فالشوارع ضيقة والبيوت كانت صغيرة ومتلاصقة ، ووسيلة النقل كانت الحيوانات من جمال وحمير وخيول ، وكانت لرجل الدين والعلم مكانة كبيرة بين الناس أكثر من الحاكم أو الوالي نفسه حيث يقول أحد القناصل الأوروبيين في عهد يوسف باشا القرمانلي (1795 ـ 1832 م) واصفاً ذلك إن أحد العلماء كان يركب على حمار أشهب ، وكان الناس محيطين به ، وكانت له مكانة وشعبية كبيرة عند الناس أكثر من مكانة الباشا نفسه الذي لا يلتفت إليه أحد.
خبزة الملة :
هي أكلة شعبية ليبية عرفت منذ العصر الجاهلي ذكرها علماء ومؤرخون كثيرون ، كابن منظور والفيروزآبادي وابن دريد والفراهيدي وغيرهم ، وتصنع من دقيق الشعير وتعجن ثم توضع في النار ، حتى تنضج ، وسميت بهذا الاسم نسبة إلى ( الملال ) ، وهو رماد النار ، وقال ابن السكيت (186 ـ 244 هـ / 802 ـ 858 م) في اصلاح المنطق أطعمنا خبزة ملة ، والملة الرماد الحار ، وقال ابن قتيبة الدينوري (213 ـ 276 هـ / 828 ـ 889 م) في المعاني الكبير خبزة الملة تضرب ليسقط عنها الرماد ، وقال الحميري (ت 900 هـ / 1495 م) في الروض المعطار في خبر الأقطار لما أسرت الكاهنة خالد بن يزيد العبسي كتب إلى حسان بن النعمان في خبزة ملة .
اشتهرت بلادنا ( ليبيا ) بأنها بلد العلم والمعرفة والكرم والجود ، وبلد الصالحين والعلماء ، ولذلك حرص الرحالة والجغرافيون والحجاج المغاربة على التوقف بها ، ولقاء علمائها وزيارة أضرحة وقبور الصالحين من أهلها ، وزيارة مساجدها وسلاطينها وأمرائها.
يقول الرحالة التجاني وكان قد زار ليبيا سنة 708 هـ / 1308 م برفقة السلطان الحفصي ابن اللحياني عن العالم والفقيه أبن الأجدابي ( ت بعد 470 هـ / 1078 م ) : ” كفي لهذا الرجل العظيم القدر فخراً لهذا القطر ” ، ويعني بهذا القطر طرابلس وليبيا بأكملها ، فقد كان من العلماء الكبار ، وله رسالة في علم الحول كانت تدرس بأوروبا في العصور الوسطى ، ألفها بسبب أن أحد العلماء أهانه فقال له : ” أسكت يا أحول فلا استدعيت ولا استفتيت “.
ولكن للأسف نحن شعب لا نقرأ تاريخنا ، ولا نفخر ونعتز بعلمائنا ومجاهدينا ، ويحضرني في هذا المجال أن أحد الأساتذة العراقيين كان يفخر ويعتز بقومه ويقول : نحن العراقيين أصحاب ثورة العشرين فقلت له : أنت ربما لا تعلم لقد دارت في بلادنا ـ ليبيا ـ مئات المعارك الطاحنة من الصباح حتى المساء بين المجاهدين والإيطاليين ، فلم يحارب ولم يجاهد أي شعب عربي مسلم أكثر مما جاهد الليبيون من حيث ( كثرة المعارك ).
ويقول المؤرخ أبو عبيد البكري ( ت 487 هـ / 1094 م ) في كتابه المسالك والممالك عن أهل طرابلس ( إن أهل طرابلس من أحسن خلق الله معاشرة ، وأجودهم معاملة ، وأبرهم بغريب ) …
ويذكر الإمام سحنون بن سعيد ( 160 ـ 240 هـ / 777 ـ 854 م ) بعد عودته من طرابلس عندما سئل عن أهلها فقال ” رأيت بطرابلس رجالاً ما الفضيل بن عياض أفضل منهم ” ، والفضيل هذا كان من أشهر العباد والزهاد في التاريخ الإسلامي حتى لقب بعابد الحرمين ، وقال عنه عبد الله بن المبارك : ” ما بقي على ظهر الأرض عندي أفضل من الفضيل “.
وهذا الرحالة الأندلسي أبو الحسن القلصادي ( 815 ـ 891 هـ / 1412 ـ 1486 م ) يقول عن طرابلس وكان قد زارها سنة 850 هـ / 1446 م : ” وبلغنا طرابلس فنزلنا وتلاقينا مع بعض الأصدقاء وحبونا بالبر والإكرام “.
وانظر إلى قول الرحالة العياشي ( 1037 ـ 1090 ه ـ / 1627 ـ 1679 م ) عن أهل طرابلس ، وكان قد زارها سنة 1059 هـ / 1649 م حيث يذكر : ” جمع لأهلها من زكاء الأوصاف وجميل الأنصاف ، وسماحة على المعتاد زائدة ، وعلى المتعافين بأنواع المبرة عائدة ، لا تكاد تسمع من واحد من أهلها لغواً إلا سلاماً ولو لمن استحق ملاماً ، سيما مع الحجاج الواردين ، ومن انتسب إلى الخير من الفقراء العابدين ، فإنهم يبالغون في إكرامهم ، ولا يألون جهداً في أفضالهم عليهم وأنعامهم “.
فما أجمل هذا الوصف لأجدادنا في الماضي لا تسمع منهم كلاماً قبيحاً أبداً حتى لمن استحق العقاب والتوبيخ فياله من وصف جميل ، ويا أخي القارئ الكريم انظر إليها اليوم ، وفي هذا العصر وهي خراب يباب.
وقال الرحالة الناصري ( ت 1239 هـ / 1823 م ) الذي زارها سنة 1211 هـ / 1796 م : ” والحاصل مدح البلد وأهلها وحسن أخلاقهم وجودهم سارت به الركبان وعلم علمائها ملأ الخافقين ، وفضلهم من شمس الضحى أظهر وأوضح “.
وقال عن كرم وجود أهل ليبيا بعد مروره بدرنة وبنغازي وطرابلس الرحالة الموريتاني ابن طوير الجنة الذي زارها سنة 1247 هـ / 1831 م : ” وأما ما فعل معنا أهل درنة وأهل بنغازي وأهل طرابلس من أنواع الإكرام وأنواع الإنعام فلا تحصيه الدفاتر ، وتقصر عن عده الأقلام والمحابر “.
طرابلس ـ المدينة البيضاء :
كانت طرابلس تسمى منذ العهد الإسلامي بالمدينة البيضاء بسبب نظافتها وبياض جدران منازلها ، فهذا الرحالة التجاني يقول عنها : ” ولما توجهنا إلى طرابلس وأشرفنا عليها كاد بياضها مع شعاع الشمس يغشي الأبصار ، فعرفت صدق تسميتهم لها بالمدينة البيضاء “.
وهذا القائد الإسباني بيدرو دي نافارا ( 1460 ـ 1529 م ) الذي احتل طرابلس في ( 25 / 7 / 1510 م ) وقتل وأسر من سكانها أكثر من (10.000) شخص كتب يصف طرابلس : ” أيها السيد هذه المدينة طرابلس أعظم كثيراً مما كنت أظن ….. بالرغم من أن جميع الذين وصفوها قد أجادوا الوصف فإنني أرى أنهم لم يجتازوا نصف الحقيقة …. وبين جميع المدن التي شاهدت في الدنيا لم أجد مدينة تضاهيها سواء في تحصيناتها أو نظافتها ” ، فيا له من وصف رائع وجميل يدل على نظافة مدينتنا ، وأنها من أفضل المدن في العالم.
كذلك كتب عنها المبشر والمنصر الألماني باولوس إيفالد الذي زارها سنة 1835 م : ” إن طرابلس أصغر من تونس ومن الجزائر ولكن تفوقهما من حيث النظافة ”
أما الرحالة الألماني البارون هنريك فون مالستن الذي زارها سنة 1869 م فيذكر : ” إن معلم طرابلس الرئيسي هو القلعة ذا منظر جذاب وهي من إحدى جوانبها تطل على البحر ، ومن جانب أخر تطل على ميدان واسع ( يقصد ميدان الشهداء ) ، وتوجد بالقلعة مطبعة بحروف تركية وعربية ، جرى استيرادها من إسطنبول تطبع هنا جريدة طرابلس الغرب ، وهي جريدة تركية عربية تصدر مرة كل أسبوع ” ، وتجدر الإشارة إلى أن الصحافة في ليبيا قد سبقت الصحافة في مصر .
أما الأمير النمساوي لودوفيك سلفاتور الذي زار طرابلس في 1873 م فيذكر : ” والحق أن جميع الرحالين يؤكدون المنظر الرائع لمدينة طرابلس من الخارج أسوار المدينة البيضاء الوضاءة أنها ولاشك في هذا منظر أخاذ لا نجده إلا في القليل من مدن الشمال الإفريقي “.
أما الكاتبة والرحالة البريطانية إيثيل براون التي زارت طرابلس سنة 1914 م فتذكر أنها دخلت إحدى غرف قلعة طرابلس ووجدت وثائق ومخطوطات تكدست حتى وصلت سقف الغرفة.
لقبت طرابلس بالمدينة البيضاء بسبب بياض جدران منازلها قال عنها الرحالة الألماني بارث : ” مدينة بيضاء جميلة ” ، وكذلك الرحالة الألماني جوستاف ناختيجال : ” مدينة جدران منازلها بيضاء ، والشوارع نظيفة ومرصوفة وخالية من الأوساخ والمهملات ” ، أما الرحالة الإسباني باديا ليليك فقال عنها : ” طرابلس أجمل مدينة في مملكة المغرب ، وتقع على شاطئ البحر … واسعة وبيوتها منتظمة وتتميز ببياضها الساطع الباهر “.
أما الرحال الإيطالي مانفريدو كامبيرو فقال عنها : ” طرابلس بهيجة المنظر كما تبدو من البحر. وشوارع طرابلس أنظف من شوارع تونس والإسكندرية والقاهرة “.
أما اليوم فانظر إليها وهي أسيرة حزينة كئيبة بسبب فساد الإدارة بها ، شوارعها ضيقة وغير منظمة أو مرتبة ، وبسبب أن أهلها لم يهتموا بها ، فهي في السابق تفوقت على كل المدن في الجمال والنظافة والتجارة والأمن والسلم حتى أن أهلها كما تصفهم الراويات التاريخية كانوا بدون سلاح بسبب ازدهار التجارة ، وشيوع الأمن مما أطمع فيها الأعداء الأسبان ، فقاموا باحتلالها.

شاهد الخبر في المصدر عين ليبيا

إخترنا لك



أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com