اخبار ليبيا رمضان

ياجداي

بوابة افريقيا 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة



رحم الله جدتي‮ ‬التي‮ ‬لم تعرف طعم‮ (‬الكريم كراميل‮) ‬ولم تحلم بأن تقضي‮ ‬شهر العسل على ضفاف الريفيرا‮ ..‬

فقد كانت الهموم تحصد عمرها بذات السرعة التي‮ ‬كانت هي‮ ‬تحصد بها نبات الحلفاء بمنجلها الذي‮ ‬استبدله جدي‮ ‬لها ببعض الدهن الذي‮ ‬عركته‮ ‬يداها عقب عام‮ (‬صابَه‮) ‬أصابت منه ثروة تمثلت في‮ ‬كيسين من الصوف وخابية من الدهن ومايربو قليلاً‮ ‬على ست حفنات من دقيق‮ ‬الشعير الذي‮ ‬ادخرته لمناسبة كبيرة‮ . ‬

جدتي‮ ‬رحمها الله لم تكن تتاجر في‮ ‬العملة الصعبة ولا العملة السهلة لأنها كانت تعيش حياة صعبة‮ .. ‬ولم تشاهد شاشة المرئية حتى في‮ ‬أحلامها التي‮ ‬لم تكن تتجاوز قليلاً‮ ‬من الهناء الذي‮ ‬تنشده في‮ ‬ظلال‮ (‬الكيب‮) ‬الذي‮ ‬تحفظ كل زاوية فيه‮ .. هنا اضطرت إلى أن تضع جزءا من ردائها لتدرأ‮ ( ‬القاطر‮ ) ‬،‮ ‬وهنا علقت فتيلة الزيت‮ .. ‬

 وفي‮ ‬هذا الركن وجدت عقربا‮ ‬يتربص بها الدوائر‮ ‬فعاجلته بعصاها لترديه قبل أن‮ ‬يتمكن من‮ أحد .‬ تمنيت كثيراً‮ ‬أنني‮ ‬كنت قد حظيت بلقاء جدتي‮ ‬أو رؤيتها أو حتى تخيل شكلها‮ .. ‬ولعلني‮ ‬كنت قد تخلصت من بعض هذا الغبش فيما لو شاهدت لها صورة‮ .. ‬

ولكن جدتي‮ ‬رحمها الله لم تكشف وجهها لأحد‮ .. ‬حتى أهلها لم‮ ‬يتبين أحد منهم ملامحها منذ أن‮ ‬غادرت بيتهم إلى بيت زوجها الذي‮ ‬هو جدي‮ .. ‬ولم‮ ‬يعد أحد‮ ‬يميزها إلا من ردائها الأزرق المقلم الذي‮ ‬رافقها ما بقي‮ ‬لها من عمر كما تقول الروايات‮ .. وحتى لو كان هناك مصور وآلة تصوير لكانت جدتي‮ ‬قد فضلت الموت على أن تقف قبالة نصراني‮ ‬يأمرها‮ ‬بالابتسام ليشعل في‮ ‬وجهها ضوءاً‮ ‬يسطع لن تراه إلا شرارة من نار‮ .. ‬

 اذكرها كثيراً‮ ‬وإن كانت الصور التي‮ ‬تعبر ذاكرتي‮ ‬مشوشة‮ ‬،‮ ‬ولذا لم انصفها في‮ ‬أحلامي‮ ‬التي‮ ‬تهاجمني‮ ‬كثيراً‮ ‬،‮ ‬وكم كان جدي‮ ‬يتكتم عليها وكأنها سره المقدس الذي‮ ‬يؤثر الموت على أن‮ ‬يبوح به لأحد‮ .‬ أعرف عمق العلاقة التي‮ ‬تربط الحفيد بالجد‮ . ‬فجدي‮ ‬لعب معنا الدورين وكأنه رأف بحالنا ونحن اطفال أن نكون بلا جدة‮ .. ‬وحاول أن لا‮ ‬يشعرنا بأنها‮ ‬غادرت منذ زمن ولم نكن نقتحم عليه عالمها الذي‮ ‬أثر ان‮ ‬يكون خالصاً‮ ‬له‮ ..‬

جدتي‮ ‬التي‮ ‬لم تعرف ملمس البسط العجمية ولم‮ ‬يحتو جسدها الضئيل فراش اسفنجي‮ ‬وثير ولا‮ ‬غرفة نوم ايطالية‮ ‬،‮ ‬ولكنها استطاعت مع باقي‮ ‬الجدات‮ ‬ان تضع بصمة‮ ‬،‮ ‬فقد كانت أصل هذا الجيل الذي‮ ‬يفتخر بان جداتنا اللواتي‮ ‬لم‮ ‬يزرن عواصم الغرب قد جعلن الغرب‮ ‬يتوقف عندهن طويلاً‮ .. ‬حينما كن‮ ‬يضربن باقدامهن في‮ ‬عمق الأرض‮ ‬،‮ ‬يسرجن الخيول ويعددن المناجل وما ملكن ليوقفن الغازي‮ ‬عند حده‮ .. ‬ويرددن كيده إلى نحره‮ ..‬ رحم اللّه جدتي‮ ‬وجداتنا جميعاً‮ ..‬

رحم اللّه اللواتي‮ ‬لم‮ ‬يحلمن‮ ( ‬بالبريوش ) ‬بقدر ما حلمن بأرض‮ ‬يرفع فيها رجالهن رؤوسهم عالياً‮ ..

‬بلا‮ ( ‬كابو على ضرب الأجواد دامي‮ ) ‬كما كان‮ ‬يقول رجب بوحويش المنفي‮ ‬رحمه اللّه‮ .‬

كاتب و صحفي ليبي 

الاراء المنشورة ملزمة للكاتب و لا تعبر عن سياسة البوابة 

شاهد الخبر في المصدر بوابة افريقيا




0 تعليق

مركز حماية DMCA.com