http://store2.up-00.com/2016-05/146458253941.png

اخبار ليبيا : عشر ذي الحجة.. دروس وفضائل

عين ليبيا 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة



بقلم: د. علي الصلابي

منَّ الله تعالى على عباده أن جعل لهم مواسم الطاعات وأوقات للعمل الصالح، والتنافس للتقرب منه سبحانه وتعالى، ومن أعظم تلك المواسم موسم الحج وعشر ذي الحجة التي شهد النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بأنه من أفضل أيام الدنيا.
أولًا: فضائل عشر ذي الحجة في القرآن الكريم والسنة النبوية:
من الأوقات المباركة هذه العشر التي ورد في فضلها آيات وأحاديث منها قول الله تعالى:﴿ وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ ﴾[الفجر: 1،2]. وقال ابن كثير رحمه الله: المراد بها عشر ذي الحجة.
وقال عز وجل:﴿ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ ﴾[الحج: 28]، قال ابن عباس: “أيام العشر”. وفي الحديث الذي رواه الإمام البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ما العمل في أيام أفضل من هذه العشر، قالوا: ولا الجهاد؟ قال: “ولا الجهاد إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء”.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ما من أيام أعظم عند الله سبحانه ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر. فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد” [رواه الطبراني في المعجم الكبير]. وقد كان سعيد بن جبير – رحمه الله – إذا دخلت العشر اجتهد اجتهادًا حتى ما يكاد يقدر عليه” [رواه الدارمي بإسناد حسن].
وروي عنه أنه قال: “لا تطفئوا سرجكم ليالي العشر” كناية عن القراءة والقيام. وقال ابن حجر – رحمه الله – في الفتح: “والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة: لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه، وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا يأتي ذلك في غيره”.
كما سئل شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – عن عشر ذي الحجة، والعشر الأواخر من رمضان، أيهما أفضل؟ فأجاب: “أيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام العشر من رمضان، والليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة”. وقد ذكر المحققون من أهل العلم: أيام عشر ذي الحجة أفضل الأيام، وليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل الليالي.
فبادر أخي المسلم إلى اغتنام الساعات والمحافظة على الأوقات فإنه ليس لما بقي من عمرك ثمن، وتب إلى الله من تضييع الأوقات، واعلم أن الحرص على العمل الصالح في هذه الأيام المباركة هو في الحقيقة مسارعة إلى الخير ودليل على التقوى، قال تعالى:﴿ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾[الحج: 32]، وقال تعالى:﴿ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ ﴾[الحج: 37].
ثانيًا: ما يستحب فعله في عشر ذي الحجة:
حري بالمسلم أن يستقبل مواسم الخير عامة بالتوبة النصوح، وذلك أنه ما حُرِم أحد خيرا إلا بسب ذنوبه، سواء كان خيرا دينيّاً أو دنيويّاً، قال تعالى:﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾[الشورى: 30]. فالذنوب لها آثار خطيرة على القلوب، وكما أن السموم تضر الأبدان ولابد من إخراجها من الجسم، كذلك الذنوب تؤثر على القلوب تأثيرًا بليغًا، منها أن المعاصي تزرع أمثالها وتجر أخواتها حتى يصعب على العبد مفارقتها والخروج منها. فسارع – أخي المسلم – إلى التوبة النصوح، واستقبل هذه الأيام بالبعد عن المعاصي والذنوب، وأكثر من الاستغفار وذكر الله عز وجل فلا يعلم أحدنا متى يفجأه الموت، ويرحل من هذه الدنيا. وإن الأعمال التي لا تغيب عن أصحاب الطاعات في استقبال عشر ذي الحجة:
الإكثار من الأعمال الصالحة: لقوله صلى الله عليه وسلم: “ما من أيام أعظم عند الله سبحانه ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه العشر”، ومن الأعمال الصالحة التي غفل عنها بعض الناس: قراءة القرآن، وكثرة الصدقة، والإنفاق على المساكين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها.
الصلاة: يستحب التبكير إلى الفرائض والمسارعة إلى الصف الأول والإكثار من النوافل فإنها من أفضل القربات، عن ثوبان – رضي الله عنه – قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: عليك بكثرة السجود له فإنك لا تسجد له سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة” [رواه مسلم]، وهذا عامٌّ في كل وقت.
الصيام: لدخوله في الأعمال الصالحة، فعن هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر” [رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي]، قال الإمام النووي عن صوم أيام العشر: “إنه مستحب استحبابًا شديدًا”.
أداء الحج والعمرة لقوله صلى الله عليه وسلم” … والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة” [رواه مسلم].
التكبير والتهليل والتحميد: لما ورد في حديث ابن عمر السابق: “فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد”. وقال الإمام البخاري: “كان ابن عمر وأبو هريرة – رضي الله عنهما – يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما”. وكان ابن عمر – رضي الله عنهما – يكبر بمنى تلك الأيام، وخلف الصلوات على فراشه، وفي فسطاطه، ومجلسه، وممشاه تلك الأيام جميعًا.
الإكثار من قراءة القرآن، فإن القرآن كما وصفه الله عز وجل هدى للمتقين:﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾[البقرة:2]. وقد قال عليه الصلاة والسلام: “من قرأ حرفا من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: ألَمّ حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف” [رواه الترمذي].
الجلوس في المسجد حتى تطلع الشمس: فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى الغداة – أي الفجر – جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس. [أخرجه مسلم]. وأخرج الترمذي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “من صلى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة” [رواه الترمذي]. هذا في كل الأيام فكيف بأيام العشر المباركة؟
الصدقة: وهي من أبواب القربات المشروعة طوال العام وقد أجزل الله عز وجل العطية للمنفقين فقال تعالى:﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً ﴾[البقرة: 245]، وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة ولو بالقليل، ووعد بالأجر الجزيل للمتصدقين فقال صلى الله عليه وسلم: “اتقوا النار ولو بشق تمرة” [متفق عليه]. وقال صلى الله عليه وسلم: “سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وذكر منهم “رجلاً تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه” [متفق عليه] قال ابن القيم – رحمه الله -: “وقد دل النقل والعقل والفطرة وتجارب الأمم -على اختلاف أجناسها ومللها ونحلها – على أن التقرب إلى الله رب العالمين وطلب مرضاته والبر والإحسان إلى خلقه من أعظم الأسباب الجالبة لكل خير، وأضدادها من أكبر الأسباب الجالبة لكل شر، فما استجلبت نعم الله تعالى، واستدفعت نقمه بمثل طاعته، والتقرب إليه، والإحسان إلى خلقه”.
وقال رحمه الله: “فإن للصدقة تأثيرًا عجيبًا في دفع البلاء ولو كانت من فاجر أو ظالم بل من كافر، فإن الله يدفع بها أنواعاً من البلاء، وهذا أمر معلوم عند الناس خاصتهم وعامتهم، وأهل الأرض كلهم مقرون به لأنهم جربوه”. وإن أعظم أنواع الصدقة على ذوي القرابة والرحم فإن الأجر مضاعف قال صلى الله عليه وسلم: “الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان، صدقة وصلة” [رواه الخمسة].
أداء الصلاة مع الجماعة: فالصلاة أمرها عظيم قال صلى الله عليه وسلم: “رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله” [رواه الترمذي]. وهي أول ما أوجبه الله تعالى من العبادات، وهي آخر وصية وصى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته عند موته فقال: “الصلاةَ الصلاةَ وما ملكت أيمانكم” [رواه أحمد]. وهي آخر ما يفقد من الدين، فإن ضاعت ضاع الدين كله، قال صلى الله عليه وسلم: “لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضا الحكم وآخرهن الصلاة” [رواه أحمد].
المحافظة على الوقت: فإن رأس مال المؤمن في هذه الدنيا هو وقته الذي يزرع فيه للدار الآخرة يقول صلى الله عليه وسلم: ” اغتنم خمساً قبل خمس حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك” [رواه الحاكم وصححه الألباني].
صيام يوم عرفه، يتأكد صوم يوم عرفة لغير الحاج لما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال عن صوم عرفة: “أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده” [رواه مسلم].
بر الوالدين وصلة الرحم، قال الله تعالى: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ وبر الوالدين من أفضل الأعمال وأعظم الطاعات، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: |”الصلاة على وقتها” قلت: ثم أي؟ قال: “بر الوالدين” [متفق عليه].
قيام الليل ولو بركعات قليلة: فقد أثنى الله عز وجل على أهل الجنة بعدة صفات منها قيام الليل فقال تعالى:﴿ كَانُوا قَلِيلاً مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ﴾[الذاريات: 17]، وقيام الليل سنة مؤكدة حث عليها الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: “عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى الله تعالى، ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات، ومطردة للداء عن الجسد” [رواه أحمد].
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: فإن منزلته عند الله عظيمة ودرجته رفيعة حتى عده بعض العلماء الركن السادس من أركان الإسلام، وقدمه الله عز وجل على الإيمان به سبحانه كما في قوله تعالى:﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾[آل عمران: 110]، وفي هذا التقديم بيان لعظم شأن هذا الواجب وأهميته وحاجة الأمة إليه.
غض البصر عن الحرام: من نعم الله عز وجل التي أنعم بها علينا نعمة البصر، وهي نعمة لا تقدر بثمن، وقد أمر الله عز وجل بغض النظر عن الحرام فقال تعالى: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ﴾ [ النور: 31]، وقال صلى الله عليه وسلم: “النظر سهم مسموم”[رواه الحاكم].
إن النظر إلى ما حرم الله أصل كل فتنة، ومنجم كل شهوة، فالنظر هو رائد الشهوة ودليلها، وحفظه أصل حفظ الفرج. قال صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: “يا علي؛ إن لك كنزا في الجنة، فلا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى وليست لك الآخرة” [رواه أحمد].
حفظ الجوارح ومن أهمها اللسان، فإن خطره عظيم كما قال صلى الله عليه وسلم عندما سئل عن أكثر ما يدخل النار؟ قال: “الفم والفرج” [رواه الترمذي]، وتأمل حديث النبي صلى الله عليه وسلم لتعلم خطورة اللسان وكيف يهوي بصاحبه: “إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها إلى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب” [رواه مسلم]، وقال صلى الله عليه وسلم: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت” [رواه مسلم].
إن هذا يستدعي من العبد المسلم أن يجتهد في استقبال عشر ذي الحجة والاعتبار من قيمتها ووزنها في الأعمال الصالحة. وهذه خلاصة الرسالة في بيان فضل عشر ذي الحجة والأعمال لمستحبة فيها.

شاهد الخبر في المصدر عين ليبيا




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com