تويتر اخبار ليبيا

اخبار ليبيا : الخلل البنيوي في تركيب الدولة الليبية – الجزء الثالث

عين ليبيا 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة



ثقافة الاتكال على الدولة التي ظهرت في مرحلة الاشتراكية الفاشلة ترسخت في المجتمع الليبي، وأصبح كل مواطن يحمّـل الدولة مسئولية توفير وظيفة له، ليس حسب حاجة الدولة، بل حسب مزاج المواطن وذوقه الخاص. والواقع أن الدولة نفسها قد عجزت عن خلق برامج تنموية تستقطب الشباب وتساعدهم في المبادرة والاعتماد على الذات لتخفيف العبء عليها. لقد كانت جل المبادرات عقيمة تفتقد إلى التخطيط السليم والرؤية الواضحة، وأفضل مثال على ذلك هو برنامج حاضنات الأعمال الذي لم يقدم شيئا يذكر، رغم لجانه المتعددة وما صرف عليه من أموال.

في ضوء انحسار فرص العمل في القطاع الخاص، لم يعد هناك من خيار أمام الباحثين عن مصدر رزق إلا الالتحاق بالعمل في القطاع العام بالدولة، وهو القطاع الذي تجاوز مرحلة التشبع إلى مرحلة الترهل، وكان للواسطة والتجاوزات دورهما الفاعل في المزيد من التوظيف، والمزيد من الترهل، والمزيد من الفوضى.

بحكم الزمن نشأت أعراف جديدة تحكم سلوك الموظف في الوظيفة العامة –سبق أن ظهرت في دول المنظومة الشيوعية- تتسم جميعها باعتماد اللامبالاة في أداء الواجب الوظيفي، والبحث عن سبل للتحايل على القوانين لتحقيق ما يمكن تحقيقه من مكاسب آنية وسريعة، وتأسيس علاقات مع الآخرين في القطاعات الأخرى لتبادل الخدمات، وبالطبع استعمال الواسطة والمحسوبية سبيلا لإنجاز حاجات الناس. هذه الاعراف الغريبة، مع التكدس الكبير، وحالة عدم الاستقرار الإداري، والفوضى جعلت الخدمات التي يتلقاها المواطن في منتهى الرداءة وبالغة التكاليف للمواطن وللدولة نفسها. أبلغ مثال على ذلك حالة التزاحم الشديد على مكاتب الجوازات وما يقوم به موظفو الجوازات من استغلال لوظائفهم في نشر ثقافة الواسطة والمحسوبية، وعجز وزارة الداخلية عن ضبط الأمور، رغم أن ذلك في منتهى السهولة، ولا يتطلب أكثر من فتح العدد الكافي من المكاتب مع تزويدها بالمعدات الضرورية وفق مخطط منهجي منظم، ومراعاة الانضباطية في العمل.

الخلل الوظيفي في الجهاز المصرفي هو الآخر مثال على سوء الإدارة وفسادها، إذ لا يمكن لعاقل أن يصدق أن إعداد صك مصدق يتطلب أكثر من بضع دقائق، ومن ثم فإن إجبار المواطن على الانتظار بضعة أيام هو عمل مقصود لاستغلال الوظيفة في المصالح الشخصية والتهيئة لتبادل الخدمات.

حتى وثائق السجل المدني التي بالبداهة يجب أن يحصل عليها المواطن بكل سهولة من مكاتب الخدمات في البلديات بغض النظر عن مكان وجوده، تستلزم طوابير طويلة، وواسطة، واجبار المواطن إلى أن يسافر إلى مقر بلديته للحصول منها على الوثائق المطلوبة، رغم أن كل البيانات مخزنة مركزياً في مكان واحد هو طرابلس.

اليوم يمكن لأي مراقب أن يدرك أن التكدس الوظيفي الذي لا يزال يتفاقم، وما يصاحبه من فوضى وهدر ينعكس انعكاساً مباشراً في تردي الخدمات مهما كانت بسيطة، وأصبح، نتيجة لذلك، الجهاز التنفيذي للدولة بالوعة كبيرة تشفط نحو 40% من ميزانية الدولة السنوية على شكل مرتبات دون أن يكون لها عائد حقيقي.

في ضوء هذا الوضع الشاذ الذي يعاني منه الجهاز لتنفيذي للدول الليبية ترى ما هو الوضع السليم، أو على الأقل الأقرب إلى السليم الذي يجب أن يكون عليه هذا الجهاز الذي يمثل العمود الفقري للدولة ؟

بلا شك أن القاعدة الطبيعية تقول: أن الهدف المطلوب تحقيقه هو البوصلة التي يجب اعتمادها لبناء الوحدة التنفيذية التي ستحقق هذا الهدف. وهذا يستلزم تكوين هيئة مركزية عليا من المختصين المحليين أو الأجانب مهمتها توصيف الهدف المراد تحقيقة، وتوصيف الوحدة التنفيذية المناط بها مهمة تحقيق الهدف، وتوصيف مهمام الكادر الوظيفي فيها، ضمن خطط علمية محكمة ومفصلة لجهاز تنفيذي إداري فاعل وكفوء. بالطبع بعد أن تكون الدولة نفسها قد رسمت استراتيجياتها العامة وخططها بعيدة المدى.

ليس من مهمة الدولة تكوين شركات خدمية وإنتاجية وعند فشلها تدعمها بالصرف عليها إلى ما نهاية. كل المؤسسات الخدمية والانتاجية غير السيادية يجب أن تخضع للخصخصة، وهذا يشمل شركات الكهرباء، والنقل الجوي والبري، والاتصالات، والمصارف. وتترك كل هذه المؤسسات لقوانين السوق، فإما تحسن خدماتها أو تذوب وتتلاشى. ولا يبقى تحت اشراف الدولة إلا قطاعات محدودة، وهي التي تتميز بالطابع السيادي مثل: الجيش والشرطة والتعليم والصحة، بل حتى القطاعين الأخيرين يجب فتحهما لعامل المنافسة بين القطاع الخاص والقطاع العام.

بثقة يمكن القول أن التعليم لا يتطلب أكثر من 150 ألف فرد، وأن الجيش والشرطة مجتمعين لا يتطلبان أكثر من 100 ألف فرد، وأن باقي قطاعات الدولة لا تحتاج إلى أكثر من 100 ألف فرد. هذا يعني في المجمل رقما بين 350 ألفاً و 400 ألف.
يبقى سؤال أخير: ماذا تصنع الدولة بالعدد المهول الباقي من العاملين، الذي يتجاوز المليون ؟

من واجبات الدولة أن تعد برنامجاً لإعادة تأهيل هذه الجموع، وتنشئ مؤسسة معنية بالتدريب والرعاية لكل من يرغب في إقامة عمل حر خدمي أو إنتاجي، وتوفر لهم الاستشارات، والقروض الميسرة، والتسهيلات التصديرية، والاعفاء من الضرائب، وخدمات التشغيل؛ هذا مع استمرار مرتباتهم إلى أجل مسمى يناسب ما يقدم لهم من مساعدة.

مجمل القول عجز مؤسسات الدولة الحاد في تقديم الخدمات المناسبة للمواطنين ليس ناتجاً عن فساد الأشخاص المكلفين بإدارة هذه المؤسسات فقط، ولكنه ناتج أيضاً عن الخلل البنيوي الشديد في تركيب هذه المؤسسات، وهو أعمق من فساد المدراء، إذ يمس أسسها وركائزها، ويكاد يصنع منها أطلال تحتوي مجاميع بشرية هائلة لا تودي غرضاً إلا قتل الوقت، مع التزام هذه المؤسسات بتوفير مرتبات لهذا التراكم البشري الكبير الذي يتضخم مع الزمن.

شاهد الخبر في المصدر عين ليبيا




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com