555555555555555

المفتي: النسيج الاجتماعي الليبي أصابه الكثير من الأذى

ليبيا 218 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة

نشرت السقيفة الليبية حواراً مع الباحث الدكتور محمد المفتي يستقرئ فيه التاريخ:

> طبيب، كاتب، باحث في مجال التاريخ الليبي الحديث، على ماذا تعتمد في مصادرك؟

● أساسا أراقب نفسي وما اختزنته ذاكرتي. مرحلة التكوين مرحلة باقية وراسخة، ترث عن والديك وأسرتك والشارع والمدرسة أساسيات اللغة والمعتقد الديني واللهجة وشتى التحيزات والمذاقات، انطباعات متراكمة، تتشكل عنها قناعات مرحلة النضوج. ومـن ذلك المخزون الهائل تستعير ما تراه جديرا بالتسجيل والنشر. لكنك تستكمل من الكتب والصحف ومن ذاكرات الآخرين الشفوية والمدونة. فأنت ككاتب أشبه بغواص في بحر شاسع. البحث مضن، لكنه ماتع. وما لم تستمتع بمطاردة المعلومة لن يستمتع قارئك بما تكتب. النص التاريخي الجيد كما لوحة فنية بخلفياتـها وشخوصها ومنظورها وظلالها.

البحث التاريخي أشبه بالتنقيب الأثري. ولكي أتعلم زرت معظم المدن والواحات الليبية. لكن عليك أيضا أن تعرف ما تبحث عنه، أن يكون لديك إطار عام أو “برادايم”. الكتابة التاريخية تتكرر من جيل إلى آخر، ربما إعادة قراءة وتفسير. ثمة أسئلة تطرحها علينا كل حقبة، ويحاول المؤرخ الإجابة عنها.

> تعتبر من الكتاب الليبين المميزين في التاريخ الاجتماعي، ما الذي استهواك في هذا المجال تحديدا؟

● التاريخ الاجتماعي قراءة شاملة لثقافة المجتمع وليس فقط تاريخه السياسي: كيف تكونت جماعة معينة وما هي علاقتها ببـــيئتـها ومحيـطـها؟ كيف تطورت تجارتها؟.. بنية اللهجات والحــرف والملبس والعلاقات الاجتماعية. مثلا رغم المعاناة والرفض لتجربة الاستعمار الإيطالي لم يتوقف التـثاقــف فتبنى الليبيون الزي الإفرنجي والمكرونة ومئات المفردات الإيطالية. الإيطـاليون أيضا تأثروا. فالمعمار الإيطالي في ليبيا حمل بصمات الهندسة الليبية البسيطة. وأسس حاكم ليبيا في الثلاثينيات، بالبو، أسس مدارس عربية إيطالية لتخريج جيل هجين موال لإيطاليا لكن النخبة الجديدة كانت ذات إحساس عال بهويتها الليـبية.

الآن يدمن المحللون والساسة الحديث عن القبائل الليبية.. أجد ذلك مضحكا لأنه مغالطة. القبيلة نشأت كتنظيم اجتماعي ودفاعي لجماعة تسكن في بيئة شحيحة كالصحراء. الآن 95% من الليبيين يعيشون في بيــئات حضرية.. كل قرية وواحة بها مدرسة حديثة ومركز شرطة وفرع مصرف وتصلها الكهرباء، وكثير من أهلها يملكون سيارات. ثـم هل المنفي أو العمروني أو الورفلي أو السليماني، الذين يسكنون عمارة حديثة في الخمس أو هـون أو البيضاء، هل يتصرف هؤلاء كقبائل؟ ربما في مناسبات الزواج والمآتم ولكن ليس سياسيا. أزمة ليبيا الحالية ليست قبلية وإنما تكمن في انتشار السلاح. وحلها يكمن في تطهير البلاد من السلاح. كل المقاربات الأخرى جربت خلال السنوات العشر الماضية وباءت بالفشل.

> السياسة قرينة قلمك، هل تعاطيها واجب حتمي؟

● عناصرالسياسة تكمن في المناورة والخداع والحظ. أنا أكتب عن التطورات السياسية من زاوية مراقب وإن أغـوتني ذات مرة، وتعلمت الدرس. العجيب أن الركب السياسي يسير نحو هدف تمليه الظروف الموضوعية. بشير السعداوي رحمه الله زعيم المؤتمر قبل في النهاية بالفدرالية من أجل وحــدة ليـبـــيا.. وتوالت الأحداث لتلغى الفيدرالية سنة 1963 وتبنت الدولة نظاما وسط أي نظام المحافظات. السياسة تستحوذ على اهتمام الناس لأنها تؤثر في حياتهم. لكن الساسة الذين يصعدون سدة الحكم عادة لا يتوقعهم أحد.. أو من سماهم الشارع الليبي بوزراء الصدفة، لأن العناصر التي تسير السياسة معظمها خفي.

> هل يمكن القول إن الهوية الليبية فقدت تأصيلها؟

● لا بالتأكيد لا. السفير الألماني سـألني ذات مرة: أود أن أعرف ما الذي يبقي على الليبيين متماسكين؟ الليبيون مبعثرين في هذه الصحراء أو شبه الصحراء الشاسعة. لكن للبادية والصحراء آلياتها في حفظ السلم الاجتماعي. ليبيا ذات تجانس غير متوقع، نتيجة الهجرات الناتجة عن دورات الجفاف، ونتيجة انتشار الليبيين من ورفله وزليتن وجبل نفوســة.. وخاصة تجار مصراتة.. وقبل سنين كتبت دراسة بعنوان “مصراتة مسداة النسيج الليبي“.. عناصر الهوية الليبية عديدة: اللهجة، والشعر الشعبي الذي أسسه سيدي قنانه الفزاني، والجرد والطـعام (البازين والزميتـة).. كلها سمات تميز الليبي عن المصري والتونسي وبقية جيرانه. لن تختفي الهوية الليبية إلا في حالة فيضان ديموغرافي، يغمر الفضاء الليبي، وهو أمر ممكن على المدى البعيد لكن غير محتمل الأن.

> تحرص على التقاط حكايات الناس وتجاربهم وتدوينها وخضعها للتحليل.. كيف يتسنى لك كل هذا الوقت؟ ما المتعة في ذلك؟

● ما تزال ثقافتنـا ثقافة شـفوية إلى حد كبير. ومصدر المعلومة التاريخية حكايات البادية والناس عموما. والاستماع لحكايات الناس ممتع. وهكذا دون هيرودوت والطبري والمقريزي وابن تغري تواريخهم. وهكذا سجل الجبرتي أحداث الحملة الفرنسية على مصر. وبالطبع لا بد من تنقيح ما تسمع متحريا الدقة ومستبعدا المبالغات. المهم أن تضع الأحداث التاريخية في سياق منطقي متوازن.

> ”هدرزة في بنغازي“ كتبت بشكل حميمي جدا، رباية الذايح التي كونت نسيجا اجتماعيا رهيبا، واكتسبت خصوصية في العقل الجمعي الليبي، كيف ترسمها ذكريات المفتي معها؟

● بنغازي مدينة وافدين، وهذا معنى رباية الذايح. استقر بها ليبيون من كل أرجاء الوطن فأمست وطنا في مدينة. عبارة رباية الذايح سـكها أحد أبناء ورفلة في بنغازي. وفي طفولتي رأيت الصبيان والبنات الذوايح يتسولون مرددين “يا مويلة امتاع الله”، وكانوا قادمين من مجاعة سـنة 1947 في دواخل طرابلس. بنغازي تتسم بالانفتاح لأنها مدينة متاجرة، ولذك فهي مدينة ترحب بكل قادم. لكنها أيضا مدينة تحمل عناصر التمرد في سكيولجيتها.. وربما شيء من الزهو، فقد سـاهمت أكثر من غيرها في تشكيل هوية وسياسة ليبيا إلى اليوم.

> الايام الطرابلسية دونتها في كتاب بحجم مدينة.. كيف كانت علاقتك بأرض الزهر والحنة؟

● حوالي سنة 1953 رافقت والدي إلى طرابلس وكان في رحلة تجارية.. الرحلة بالبر منحتني إحساسا بسـعـة الوطن، فقد مررنا على مصراتة وزليتن والخمس وتاجوراء. وكانت طرابلس مبهرة، نظيفة، بيضاء، بقلعتها ومعمارها الإيطالي، ونافورة الغزالة وسوق المشير والليدو. وفي ما بعد قرأت الكثير عن تاريخ المدينة. ولعل عصور ازدهارها كانت أولا في عهد يوسف باشا القرمللي، الحاكم الشرس المستبد، لكنه أمن طرق القوافل إلى الجنوب فضم فـزان، وأرسل الحاميات لمحاربة القبائل في بنغازي، فدشن بذلك توحيد الفضاء الليبي. الحقبة الثانية المتوهجة ســياسيا، كانت بعد الحرب العالمية الثانية.

ومنذ الاستقلال، بقيت نخبة طرابلس في تنافس سـاذج مع بنغازي، لكنها اليوم في تنافس مسلح على النفوذ السياسي. طرابلس المدينة، مدينة كوزموبولتية، عالمية متحضرة، ولذلك كانت علاقتها مع الدواخل دائما فاترة فهي لم تولد كملتقى لتجارة الدواخل مثلا، بل ولدت من رحم صراعات الأساطيل في البحر المتوسط في القرن 16. وبفضل أرستقراطيتها ظلت تعتبر نفسها سـدة الحكم رغم محدودية مساهماتها في الفعل السياسي. طرابلس الناس، أيضا لا تكترث كثيرا بالشأن العام.

> ماذا عن درنة؟

● درنة أمست مجرد تاريخ منذ حوالي 1970 بعد أن طالها عقاب القذافي الجماعي، والتهمت الخرسانة جنائــنها. ألفت كتاب “سهاري درنة” لتوثيـق تاريخ المدينة وإنصافا لها. عـرفت درنة بعطائها المبكر، الأدبي والفني والمسرحي. عوامل كثيرة منحت درنة هذه القــدرات: إرثها الأندلسي، وقربها من مصر، واستفادة أبناء المدينة من التعليم الحديث في العصر الإيطالي. قد يختصر المراقب سمات الدرناوي في لكنـــته المميزة وحس الفكاهـة ومثابرته التجارية والعلمية. ولكن درنة احتضنت أيضا نموذجا رائعا للتعايش فسكان درنة قديمـا، وفق قصة تجريدة حبيب، من مختلف أرجاء ليبيا.

درنة أعـطت الكثير للوطن، منها قيادات مرموقة في جـهــاز الدولة. كما احتضنت درنة إصدار “وثيـقــة الحــرابي” سـنـة 1946 التي وقعها المشايخ والأعيان في قـرية الـقـيـقـب. الوثيقة كانت بتوجيه من الأمير إدريس وتـؤكد: “.. أما بعد فنحن مشايخ قبائل الحرابى وأعيان مدينة درنة.. نتعهد جميعنا بإيقاف كل خصومة وكل نزاع مهما كان نوعه فى ما بيننا، فلا نسمح بإثارة أى فتنة قديمة أو جديدة، ولا نسمح بالمطالبة بأى حق قديم سواء أكان ثأرا أو دية قتل.. أو حـقا عـقـاريا، أو غير ذلك رغبة منا فى جمع الكلمة وتأليف القلوب.. وتوجيهها متضافرة متحدة إلى قضية البلاد السياسية..‘‘. وفي ظني أن تلك الوثيقة قـد ظلت، وربما إلى اليوم، مبــدأ سـاميا حال دون أي صدامات في برقـة، فخيبت نبؤات من توقعوا حروبا قبلية فيهـا.

> زمن المملكة، هل يحن المفتي لذاك الزمن؟

● هذا عنوان كتابي الأخير. لابد أن نعترف بأن فترة العهد الملكي لم تكن فترة ذهبــية، بل كانت مليئة بالمفارقات. نعم لم تخلو من فقر وبؤس ومشاكل (اغتيال الشلحي وأحداث الطلبة سنة 1964)، وكان هناك فساد حذر منه الملك نفسه. وكانت البلاد مرتبطة بمعاهدات مع بريطانيا وأمريكا وفرنسا، في زمن سيطر عليه المد الثوري العروبي.

لكن، ورغم فقر البلاد وضعف خبرة المسؤولين وأمية بعضهم، إلا أن المناخ السائد كان أبويا وباحثا عن كل ما ينمي البلاد. وقفز عدد طلبة المدارس من بضع آلاف إلى ربع مليون. وأسست الجامعة، وكانت هناك حرية رأي نسبية، وتسامح واسـتقرار وأمن. فهل نلام على الحنين إلى عهد تطابق مع فترة التكوين من عمر جـيــلنا وفيه أحسـسـنا بالأمان والرعاية. لكن الحنين لا يعني القبول بعودة الملكية، فذلك مستحيل لاعتبارات شتى. لكني من أنصار إحياء نظام المحافظات.

> تجربة السجن كيف عاشها المفتي بشخصيته.. هل استطاع أن يروضه؟

● لاشك أن تجربة السجن مؤلمة، وتجشمك خسائر لا حـد لها، على المستوى الشخصي والأسري والمهني. في السجن تغضب وتحتقر من سـجنك لكن بعض حراسك بشر طيبون. تستمد صلابة من رفاقك، وتمنحهم ما تستطيع من قوة. ويأتيك العون والمساندة من مواضع لم تكن تتخيلها تعيد إليك الثقة في البشر. وفي النـهـاية تتبنى موقفا صوفيا فالتاريخ عرف الكثير من الظلم، والطـغــاة الذين آذوا الكثيرين.

وتنتهي إلى حل المأزق بمعادلة صوفية: أولا، ماذا عن شخص يسير على قدميه ربما لشراء بعض الخبز، وتصدمه سيارة هـوجـاء، تتركه مشلولا بقية عمره وتضع نهاية لكل أحــلامه..؟ هكذا تـهـدأ نفسك. وثانيا أن تسـتثمر الوقت في التعلم والقراءة والكتابة، وذلك ما فعلــته وفعله كثير من رفاق السجن. وثالثا أن تفرغ ذهنك من كل حقد أو ضغينة، فـتكتسب راحة وسكينة. وليست هذه قرارات تتخذهـا، بل حالة تمنحها لك الأقــدار.

> أنت من نشطاء الحركة الطلابية الليبية ومن المساهمين في تأسيس اتحاد الطلبة الليبيين في بريطانيا.. كيف ترى تلك التجربة الآن؟

● كانت تجربة ممتعة في وقتها، بها قـدر من الإثارة لشباب في عنفوان الحياة. لكن هل ما يزال لها دور؟

> قدمت مشروعا عندما رشحت لمنصب رئيس الحكومة، لماذا لا يراد لليبيا الاستقرار؟

● نعم قدمت عدة مقترحات أكدت على ضــرورة التسامح والعفو العام. أهم ما قدمته ومبكرا كان مقترح “بمشروع العـرفــان” لمعالجة انتشار السلاح. طالبت بتنظيم استقبال رسمي للثوار العائدين من الجبهة (من البريقة) وكانوا بضعة آلاف ومعظمهم شباب عادي متحمس. ثم إيوائهم في معسكر وتنظيم محاضرات وزيارات عائلية، وتقديم منح أولية لمساعدة أسرهم، ومنحهم قطع أراضي وقروض للزواج. لكن الفكرة لم تلق قبولا أو فهما. وأذكر رد رئيس المجلس الانتقالي: “ما فيش داعي.. تـوا يروحــوا لحواشينهم“.

> هل فقد المجتمع الليبي في هذه الحرب خصوصيته وثـقـافــته؟

● أكيد أن النسيج الاجتماعي الليبي أصابه الكثير من الأذى، خاصة نتيجة إعلام الكراهـية. بل إن تحقير الذات والوطن والليبيين شــائع. هـذا كله مـتوقع مثلا من نازحين طردوا من بيوتهم ومناطـقهم. عـدا هـذا الليبيون متعايشون في ســلام. ولا ننسى أن 95% من الليبيـين لم يتورطوا في الصراعات الدائرة. ولهذا ما زلت أعتقد أن أغلب الليبيين أبرياء من كل ما حدث. وسوف يتجاوز أهلنا كل تلك المرارات كما تجاوز أسلافنا ما حدث في زمن الطليان، أقصد ما فعله ليبيون في ليبـيــين. ستبقى الصور في الذاكرة وسيحكيها الكبار، لكن ما رافقها من انفعالات ســوف تخـفـت. فالحياة لا يمكن أن تستمر بالعنف والأحـقــاد.

> عندما تتأمل كل تلك الفوضى التي تقابلها وتقاومها بالاستغراق في الكتب، ماذا تقرأ الآن؟

● الآن أقرا كتابا عن تطور أوروبا في القرن 15، عـصر ما بعد اندلاع وباء الطاعون. الأسماء والأماكن مختلفة طبـعـا، لكن المشهد العام يحمل تشابهات. القلق والصراعــات وظهور التـشدد، وبالمقابل عـودة الحياة وبناء القصور. لكن سـر نهضة أوروبا كان في تطور المعرفة، فأنـشــئت الجامعات، وكان اختراع الطباعة وبداية الكشوف الجغرافية ونهضة الفـنون. وطبـعا تأسيس الحكومات، وانتشار الأمن الذي سمح للناس بالتنقل دون ســلاح. وهـكـذا يبــدو أن المجتمعات قـد تصل إلى حافة الانهيــار وتـترنح لكنهـا تنهض إذا امتلكت العلم والتقنية.

> وهل هناك كتاب جديد قادم للمفتي؟

● لدي مخطوطة وأبحث عن ناشر. الكتاب يتناول التاريخ الاجتماعي للجبل الأخضر، حيث عـشت وعـملت كطبيب قرابة عامين. الجبل الأخضر ثـروة بيئية وتـراثـيــة وأثــرية، لكنه لم يحظ باهتمام الدولة ولا الأدباء. عنوان كتابي الجديد “مواهيم الجبل”. مواهيم مفردة شعرية بدوية من الفصحى، وتشير إلى موقع إقامة، خاصة لحبيب. ودلالة المصطلح خليط بين المكان والحب والذكرى والفراق. والكتاب يتقصى كل سـمات الجبل الأخضر، البــيئة والناس والتاريخ.

مجتمع بادية الجبل يحـوي أيضا جـذور هـويتـنـا. وأكبر قبائله هم السعادي نسبة إلى جـدة اسمها ســعـده ابنة الأمازيغي الزناتي خليفة التي تزوجها الذيب أبو اللـيل من عرب بني سليم. والقصة عندي ترمز إلى تصاهـر وانصـهــار العرب الوافــدين في القـرن العاشر مع سكان ليبـيا الأصليـين.

> ماذا عن المستـقـبل؟

● ليبيا تواجه اليوم أزمات خطيرة، ولن تختفى هذه الأزمات بسهولة. أزمة انتشار السلاح، المياه، الكهرباء، وفوق كل هذا بطالة نسبة عالية من الشباب، وأخيرا الهجرة الغازية للجنوب. وكلها عـوامل عدم اســتقرار.

وقبل بضع سنين دعيت لحضور ندوة في طرابلس عن ليبيا بعد 30 سنة أو شيء من هذا القبيل وظللت صامتا طيلة يومين أتابع الرسوم البيانية والتأكيدات المتفائلة للباحـثــين. وقرب نهاية الجلسات سـألني مقرر الجلسة عن سر صمتي، وأجبت بأن السؤال الذي يدور في جمجمتي، ولم يسـأله أحد ولو افتراضيا: “هل ستكون ليبيا موجودة أصلا في التاريخ المستهدف؟”. لم أكن أقصد التنبؤ، كل ما هنالك أن ليبيا كما نعرف جميعا محاطة بطوق من المجتمعات الفقيرة. فهل ستبقى الأمور بعد ثلاثـين سنة، كما هي الآن؟

على المستوى الأبعـد والأعـم، سـتواجه ليبيا والمنطقة العربية كمجتمعات تقليدية تبعات عجزها عن مواكبة العصر، وعجزها عن استيعاب العلوم والتقنية وعن توطين العلم. فهي مجتمعات استهلاكية .. تستهلك كل شئ، من بذور الخضروات المحورة جينيا والأدوية إلى الأسلحة والكمبيوتر وخدمات الأقمار الصناعية..الخ دون أن تعرف كيف تعيد انتاجها. وستواجه المنطقة العربية في وقت ليس بالبعيد معضلات حادة، أولها نقص مياه الشرب وسيضطرنا العطش إلى شراء لتر الماء بأغلى من ثمن لتر البترول، بينما سـتواصل حكومات العرب المجادلة في حقها في سـدود تمت إقامتها فعلا!!

حاورته: حنان علي كابو
السقيفة الليبية، 9 يــوليو 2020

شاهد الخبر في المصدر ليبيا 218




0 تعليق