555555555555555

علاقة عكسية بين التكريم والكرامة

ليبيا 218 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة

سالم العوكلي

“فيه ولع ليبي غريب بالتكريم..تكريم غريب ورخيص…كل مرة تشوف واحد يوزع في كواغط موقعة وأحياناً ايلوذ بيهم بين الحياش لتسليمهم..وصار هذا الطقس هو المعيار للخدمة والتقدير والإنجاز ..بالله كل واحد يكرم نفسه ويحترمها ويمشي يتعب عليها شوي”.

ذكّرني هذا البوست الذي نشره، على صفحته الصديق الكاتب والشاعر مجاهد البوسيفي، بهستيريا التكريم التي اجتاحت ليبيا (الجماهيرية) في حقبة ماضية كانت كرامة المجتمع تتراجع بقدر ما يزيد تكريم أفراده، وكانت هذه الهستيريا التي تتوجه إلى كل قطاعات العمل والوظيفة والفن وغيرها، كأنها تريد تفريغ فكرة التكريم أو التميز من مضمونها وسط توجه سياسي يسعى إلى جمهرة الدولة وإقصاء الكفاءات، وكأن الغاية أن يذاب التميز في محيط من التفاهة، أو وفق الرأي القائل أن الكتب الرديئة تدفن الكتب الجيدة في استراتيجيات تحييد الكتابة الناقدة، أو كأنه تصفية حساب مع الذين تعبوا في مشاريعهم الثقافية كي يجدوا أنفسهم ضمن سياق من التكريم المجاني لا يستثني أحدا، ولا حتى اللصوص الذين استباحوا المال العام، أو كانوا جزءا من الفساد المستشري في المجتمع، رأسياً وأفقياً. وكان تكريم المسؤولين عن إدارة الدولة في دولة تتهاوى وتتهالك بمعدل يومي داعياً إلى الكثير من التهكم والسخرية. كما كانت ظاهرة التكريم وتوزيع الشهادات متفشية في قطاع الثقافة لا تفرق بين من يستحق ومن لا يستحق، ما يجعل المستحِق مستخفاً بتكريمه أو رافضاً له في ظل هذه الميوعة المنتشرة، ومن الطرائف أن البعض من المحسوبين على الواقع الثقافي والإبداعي كانوا يركضون ويستجْدون مثل هذا النوع من التكريم الاستعراضي، بل ووصل الأمر بشاعر أن يُشكل لجنة ويرأسها مهمتها تكريمه شخصياً، ومثل هذا الشاعر وآخرون كُرموا عشرات المرات بينما كتابتهم مليئة بالشكوى من الظروف التي يعيشونها ومما يكابدونه من تجاهل، واستشرت ظاهرة التكريم في الوسط الثقافي والفني حتى وصل الأمر حسب تقديري إلى نسبة تكريم 9 من كل 10.

وحقيقة عكس هذا الأمر، كما ذكر أخي مجاهد، حالة الولع الليبي بظاهرة التكريم الذي أصبح “غريباً ورخيصاً” ومجانياً إلى حد كبير، وكثيرا ما كنا نرى مسؤولين تغطي جدران مكاتبهم شهادات التقدير بينما قطاعاتهم المسؤولين عنها تتدهور نحو الهاوية، وكان الأمر مزعجاً بقدر ما هو مؤلم، وتلك “الكواغط” ستجدها منتشرة على جدران المرابيع في كثير من البيوت، فكان التكريم في ذروته كماً، ولكن لا إنجاز على الأرض سوى دولة تتداعى ومؤسسات تتصحر.

حين كنا نعمل في جمعية بيت درنة الثقافي، طرح بعض الزملاء العاملين في هذه المنظمة المدنية أن تتبنى تكريم بعض الشخصيات، وباعتباري كنت رئيساً لهذه المؤسسة، كنت متحسساً من فكرة التكريم في حد ذاتها التي فقدت معناها، لذلك حرصنا على أن نعيد لهذه الفكرة التي طالها الابتذال قيمتها، وأن نعيد لها الاعتبار ونتوجه بها إلى من يستحقها أو تستحقها فعلا.

كان علينا أن نذهب في البداية إلى أهم قطاع كان وقتها وقبلها يتعرض لنوع من التجريف والتخريب المتعمد، وهو قطاع التعليم، وبعد حوارات عدة اخترنا المعلمَيْن: عباس مرشد ــ ومصطفى القزيري. عباس مرشد معلم بدأ مهمته التدريسية لمادة الفيزياء في درنة منذ الستينيات، وكنت لا أعرفه شخصياً، ولكن كل من تتلمذوا على يديه أو عملوا معه كانوا يسردون حكايات عنه تشبه الأساطير، وتخرّج على يديه الكثيرون ممن أصبحوا مهمين في المجتمع. ومصطفى أحد المعلمين الليبيين من مدينة درنة الذي أعطى التعليم وقته وأعصابه ورؤاه المختلفة، كما أسهم بروح متحمسة وعقل ذكي في إدارة بعض المدارس، فكان الطالب والمعلم مسؤوليته الأولى، وخلق علاقة طبيعية بينهما تجعل الحصة تبلغ مداها من الأهمية بغض النظر عن كل الظروف الأخرى المادية أو اللوجستية التي يعاني منها القطاع. ولقي تكريمهما احتفاء واسعاً من كل من شارك أو سمع به، لأنه تقريباً لا اثنان يختلفان عن هذين النموذجين من المؤسسة التعليمية الزاخرة بغيرهما، لكن سيرتهما كانت واضحة للعيان وتعاملهما مع المهنة كمشروع له غاية ورؤية وليس مجرد وسيلة للحصول على معاش لا ينكره أحد.

ثم اخترنا شرطي مرور يعرفه الجميع بوجوده الدائم في الشارع لتنظيم الحركة وبروح مرحة ومتحمسة، لا تهمه المخالفات أو العقاب بقدر ما يهمه أن يجعل الحركة سلسة وأن يحمي بعض تلاميذ المدارس الابتدائية لحظة خروجهم من المدارس. واللافت أنه كان يُرى في الشارع والمفترقات حتى في أيام العطلات وأيام الأعياد ببدلته الأنيقة وبابتسامته التي تشي بمدى حبه لعمله وإدمانه له خارج حتى الأوقات المطلوبة منه. وبالطبع في المجتمع الذي يمر معظم أفراده بهذا الشرطي المتفاني لا أحد اعترض على تكريمه لأن الجميع يعرفه.

كما اقترحنا فكرة أخرى للتكريم حين بدأنا في تنفيذ فكرة مهرجان سنوي للفكر والفنون، سمي مهرجان الأسطى، تتعلق باختيار شخصية شرفية لكل دورة من المهرجان ويُكرم من خلاله على مجمل ما قدمه لمحيطه أو للمعرفة، وكان اتفاقنا في الدورة الأولى على السيدة المربية فتحية عاشور التي أسهمت في تطوير التعليم شكلاً ومضموناً في محافظة درنة الممتدة من حدود الأبرق إلى امساعد، حين كانت تعمل مديرة للتعليم في هذه المحافظة، إضافة لما قدمته من جهد مميز في تطوير مدرسة الزهراء الثانوية للبنات حين كانت مديرة لها، تميزت بالجدية والنزاهة وبالرؤية الواضحة لتطوير هذا القطاع بشكل يواكب المجتمعات الحديثة، وحين اخترناها شخصية المهرجان كانت قد عاشت عقودا في المنفى بعدما تعرضت له من مضايقات من قبل التيار الثورجي بداية السبعينيات، وكان حتى ذكر اسمها ممنوعاً في الحيز الليبي، وبمجرد أن قررنا نشر ملف عنها في الجريدة التي من المفترض أن تصدر مصاحبة لأيام المهرجان، تسرب الخبر، وبسرعة تم تعميم منشور على فروع الرقابة على المطبوعات، وعلى المطابع، يمنع طباعة هذه الجريدة المؤقتة، ما اضطرنا إلى تحويلها إلى جريدة مسحوبة على ورق عادي نُشر فيها الملف كاملاً عن السيدة فتحية عاشور.

في الدورة الثانية كان اختيارنا لأحد الأعلام الليبيين كشخصية شرفية للمهرجان، وهو الدكتور الهادي بولقمة من الزاوية، أحد الجغرافيين العرب المهمين وأحد مؤسسي الجامعة الليبية، ومؤلف لعديد من الكتب المهمة عن ليبيا فيما يخص الجغرافيا البشرية وأفق التنمية، حيث كان فترة هذا الاختيار متقاعدا يجلس مع الشيوخ على أحد أرصفة الزاوية حيث يقضي معظم وقته. وبالطبع حين جاء إلى درنة التف حوله طلابه من المدينة الذين تتلمذوا على يديه في الجامعة وكان هذا الاحتفاء والالتفاف تكريما في حد ذاته.

كما قمنا بتكريم الراهبات الإيطاليات اللائي قضين عقودا طويلة من أعمارهن ممرضات في القطاع الصحي في خدمة متفانية لسكان المدينة وضواحيها، وقد تحمس الكثير من التجار ورجال الأعمال والمواطنين لدعم هذا الاحتفال كرد لبعض الجميل الذي قدمنه لهذا المجتمع. حيث وصلت إلى مقر بيت درنة عبوة شاحنة من الهدايا التي تبرعوا بها ومبلغاً مالياً محترماً، لكن الهدايا والمال لم يصلا إلى بيتهن، وقمن بتوزيعها كلها على العائلات الفقيرة والمعروفة لهن جيدا في الليلة نفسها.

واستطعنا إلى حد كبير عبر الاختيارات الدقيقة أن نعيد لمفهوم التكريم بعض احترامه باختيار شخصيات معروفة من قبل الجميع ولها دور كبير في تطوير المجالات التي عملوا فيها وحقنها بعمق إنساني عبر روح من الإيثار ودون التفكير في المصاعب التي تواجه الحياة، والأهم من كل ذلك أنهم تميزوا وتميزن بالنزاهة وعشق العمل في وقت كان الفساد ومقت العمل ظاهرة عامة. والأساس كما ذكر مجاهد: من يحترم نفسه ويكرمها عبر صدقه وإخلاصه وإتقانه سيطوله التكريم المستحق، وحتى وإن لم يطله فستغمره متعة أنه أرضى ضميره وقدم ما هو استثنائي خلال حياته، ولأن طبيعة مثل هؤلاء، في الأساس، عدم انتظار مقابل أو مكافأة ما يجعلهم بعيدين عن الشكوى من التجاهل أو النكران، ومغمورين بالخجل أثناء تكريمهم إذا ما حصل.

شاهد الخبر في المصدر ليبيا 218




0 تعليق