555555555555555

اللحظة المناسبة

الوسط 0 تعليق 64 ارسل لصديق نسخة للطباعة
 

فرحة مغموسة في الدم، في الأشلاء، في الترمل واليتم والتثكل، في الوجع والمعاناة والدمع والاقتلاع.
فرحة يعود فيها كثير من النازحين الفارين من ويلات الحرب إلى بيوتهم ليجدوا جدرانا محترقة وأثاثا استحال إلى رماد أو يجدونها تحولت إلى خرائب وأطلال. فرحة فادحة الثمن. فاحشة الثمن. فحش ثمنها نابع من فحش أعداء الضوء والأمل والحياة.
لكنها فرحة جديرة بأن تعاش، بأن يُبتهج بها ويُنظر، بعيون تمتليء دموعا، إلى بصيص نور يتراقص في الأفق البعيد.

تلك هي فرحة تحرير بنغازي من المرض العضال الذي كان يبغي التمدد في كامل جسدها لينتشر منه إلى مواقع أخرى في الجسد الأكبر: جسد ليبيا.

صحيح أن بنغازي مازالت تحتاج إلى مداواة كثيفة وفترة عناية طويلة ومدة نقاهة حرجة، لكن العملية الجراحية، رغم كل شيء، نجحت وتعطي الأمل بتحرير مدن أخرى، في وطننا الغالي، تعاني المرض ذاته.
لقد تم تحرير بنغازي من خلال تصدر نواة للجيش الوطني الليبي وإدارته لعملياتها ودأب هذه النواة وعزمها المتين وعدم تغلغل مشاعر الفشل واليأس إلى معنوياتها أمام ما تكبدته من خسائر موجعة في مقاتليها.
بيد أن فرحنا الغامر المغمور في الوجع لا ينبغي أن يمنعنا من قراءة سياسية للحدث.

منذ الأيام الأولى لانطلاق عملية الكرامة كتبت مقالا بالمناسبة عنوانه "خشبة الخلاص" [بوابة الوسط 22. 5. 2014]، أشرت فيه إلى أن حفتر تحرك في لحظة مناسبة في الوضع الليبي "بحيث صار يُنظر إلى تحركه كمحاولة إنقاذ من استشراء الإرهاب وتغوله على المجتمع ومؤسسات الدولة وأن ما يقوم به يمثل خشبة الخلاص." وختمت المقال بالإعراب عما كان يجيش في نفسي من مخاوف، ومن آمال أيضا، بشأن أفق هذه العملية ومستقبلها بالقول:
"أتصور أنه في حالة التفاف النسبة الغالبة مما بقي من الجيش الليبي حول حفتر وانعدام وجود تنافس وتنازع على القيادة والصدارة بين القادة العسكريين، وتكوين قيادة عسكرية موحدة تكون آوامرها ملزمة لجميع القطاعات العسكرية على المستوى الوطني، وتوخي التعقل في إدارة الأزمة وطرح برنامج سياسي عملي يلبي الحد الأدنى من مطالب الشعب الليبي في الأمن والاستقرار والتوجه نحو الديموقراطية، فإن هذا الجهد سيكلل بالنجاح."

على مستوى صراع القيادات، راجت شكوك حول أن سبب إجبار التحالف الإرهابي قوات الصاعقة على الخروج من بنغازي في بداية إطلاق عملية الكرامة كان بسبب إحجام حفتر عن مساندتها بما تحت قيادته من قوات لأنه كان يريد "إقناع" ونيس بوخمادة، قائد قوات الصاعقة، بالانضواء تحت إمرته. ولكن المهم أن هذا الخلاف، في حالة مصداقية وجوده، تم تجاوزه ولم يؤدِّ إلى شق صف الجيش. إلا أن بعض التساؤلات ظلت تدور في الأذهان، منها:

لماذا [وهذا التساؤل يطرحه أشخاص ينتمون مكانيا وعاطفيا إلى مدينة بنغازي وسكناهم قريبة من بؤر القتال] لم يتم دك الصابري، مثلا، دكا مبرما لتجفيف الوجود الإرهابي فيها؟ فالمنطقة هجرها سكانها وغالبية مبانيها شبه منهارة، فما الفرق، إذن، بين أن تكون شبه منهارة أو مسواة بالأرض، ما دامت تسويتها بالأرض تعجل في دحر الإرهاب؟

التساؤل الثاني، وهو يشمل الأول، لماذا كل هذا التأخر في إنجاز عملية التحرير؟
هناك تعليلات تفسر هذا التأخر بكون الجيش لم يكن يملك العتاد الكافي للمخاطرة بهجوم شامل، كما أن عدم الدفع بالقوات إلى الأحياء المتحصن بها الإرهابيون كان لتجنب أعلى قدر ممكن من الخسائر في صفوف هذه القوات جراء ما سيتعرضون إليه من قنص وألغام ومفخخات. الحجة وجيهة.

لكن يرى كثيرون أن حفتر أصبح، منذ فترة طويلة، يمتلك القوة الكافية لتحقيق هذا الهدف، إلا أنه كان ينتظر اللحظة المناسبة.
فهل حانت اللحظة المناسبة الآن؟ وما هي هذه اللحظة المناسبة؟

يبدو لنا أن اللحظة المناسبة تتمثل في الاقتراب من تشكيل حكومة الوفاق الوطني وفي التحرك الغربي، الذي يبدو حازما وعازما هذه المرة، من أجل محاربة الإرهاب، المتمثل تحديدا في تنظيم داعش، وأنه، أي الغرب، يبحث عن "شريك محلي" يتولى، بدعم غر بي جوي، وحتى أرضي محدود، العبء الأكبر في هذه الحرب.

وهكذا يبدو أن حفتر يقول للغرب بأفعال واضحة بليغة: أنا شريككم المحلي الذي ينبغي أن تعولوا عليه في هذا الأمر وتدعموه.

الكلام عما يمكن أن يكون لحفتر من مطامع تتجاهل البرنامج السياسي العملي الذي"يلبي الحد الأدنى من مطالب الشعب الليبي في الأمن والاستقرار والتوجه نحو الديموقراطية" من خلال إقامة نظام عسكري شمولي في ليبيا، ليس هنا محل تناوله.

شاهد الخبر في المصدر الوسط




0 تعليق