555555555555555

عبدالفتاح الحميدي: قناة الجزيرة وفن التدليس

ليبيا المستقبل 0 تعليق 63 ارسل لصديق نسخة للطباعة

لا ينكر أحد أن قناة الجزيرة القطرية قد اعتمدت سياسة إعلامية جديدة قياسا بوسائل الإعلام العربية التقليدية، الأمر الذي جعلها تحتل الصدارة في الساحة الإعلامية العربية، وتحجب بقوة أدائها مؤسسات إعلامية عالمية عريقة كهيئة الإذاعة البريطانية وصوت أميركا وصوت ألمانيا. في سياستها الإعلامية ابتعدت قناة الجزيرة عن العامل الأول الذي يفرغ كل وسائل الإعلام العربية من محتواها وهو عامل التطبيل والمبالغة في إطراء النظام السياسي الذي تتبعه. كذلك اعتمدت القناة على الحرفية العالية، واستعمال تقنية الإعلام ووسائله الحديثة من إعداد جيد للمادة الإعلامية إلى اعتماد مذيعين ذوي خبرات راقية ولغة احترافية، وحضور فوري إلى موقع الأحداث عن طريق شبكة واسعة من المراسلين.

كل هذه الميزات التي تمتعت بها الجزيرة لا يمكنها أن تخفي حقيقة مهمة ومفصلية، وهي انتماء الجزيرة إلى دولة لا يمكن وصفها بالديمقراطية، أو أنها تقدس مبادئ حرية التعبير والاختلاف والرأي الآخر، فهي ليست أكثر من دولة أو دويلة تتحكم في كل شيء فيها عائلة ممتدة بنفس أساليب القرون الوسطى.

لكي تتفادى تأثير نظام الحكم في الدولة التي تنتمي إليها سمح لها بأن تتجاهل كل ما يجري في قطر سلبا وإيجابا، ولا تأتي بأي خبر أو تحليل يخص شأن قطري داخلي كما تفعل في شئون الدول الأخرى؛ ففي الوقت الذي تتكلم فيه عن فكرة الرأي الآخر لدرجة أنها تستضيف عناصر مشهود بصهيونيتها في دولة العدو الإسرائيلي، فإنها لا تقترب مجرد الاقتراب من قضايا الرأي الآخر في قطر أو مجلس التعاون الخليجي.

من شروط نجاح أي مؤسسة إعلامية اقترابها من نبض الشارع وهمومه، وبما أن قناة الجزيرة تهدف إلى التأثير في الشارع العربي بكليته ويعنيها الانتشار، فقد آلت على نفسها أن تقدم برامج مرتبطة بقضايا المواطن العربي الحياتية اليومية، بداية من قضية فلسطين الشغل الشاغل للمواطن العربي، إلى قضايا البطالة والغلاء والمشاكل الاجتماعية بأنواعها، ثم في اقتراب حذر قضية الحرية والمشاركة السياسية. وعند انفجار ثورات الربيع العربي قفزت إلى واجهة الأحداث وانخرطت بعمق في نقل الفعل الثوري إلى الدرجة التي أعطت الانطباع بأن قناة الجزيرة مشاركة في الحدث وليست مجرد ناقل له. لولا الجزيرة ما رأى أحد مظاهرات سيدي بوزيد في تونس التي كبرت وتمددت حتى وصلت إلى العاصمة ودفعت بن علي إلى الهرب، ولولا الجزيرة ما أصبح ميدان التحرير بالقاهرة مصنعا للثورة والثوار، ولولا الجزيرة ما ظهرت تفاصيل الثورة الليبية وعنفها والثورة السورية ودمارها.

انخراط الجزيرة في قلب الحدث في مظاهرات الحجارة في فلسطين، وفي حشود ميدان التحرير ليس له امتداد في دول الخليج فلا يمكن أن تنقل المظاهرات في السعودية، ولا تلك التي حدثت في الكويت، ولا أن تتكلم عن التبرم السياسي في الإمارات، فدائما لقناة الجزيرة خطوط حمراء لامعة وواضحة تراعيها بدقة مهما أسرفت في شعاراتها ومبادئها "الثورية".

الجزيرة لا تقوم بعملها اعتباطا فكل شيء مرتب وفق منهجية معدة مسبقا وذات أهداف واضحة؛ فدولة قطر التي لا يصل سكانها إلى نصف مليون وجدت نفسها تتربع على ثاني أكبر احتياطي في العالم للغاز الطبيعي، وتحولت في غضون أعوام معدودة إلى ثاني أكبر منتج له بعد روسيا، وتراكمت عليها الأموال إلى أن أحتلت المرتبة الأولى في العالم بمقياس (العائد/ نسمة). في ظروف الوفرة غير الاعتيادية، على قطر أن تكون دولة قوية ومؤثرة في السياسة العالمية على الأقل في محيطها الاقليمي والعربي. كيف لقطر أن تفعل ذلك وهي بشريا لا تستطيع تطقيم فرقة عسكرية واحدة، ولا تزيد مساحتها عن 18 ألف كيلومتر مربع عبارة عن صحراء قاحلة؟ جلبت الخبراء من كل مكان، جمعوا المعلومات وناقشوا كل الاحتمالات ودرسوا فيها كل شيء، ثم رسموا الخطط ووضعوا التوصيات. من هذه التوصيات تأسيس آلة إعلامية حديثة وفق أرقى ما وصل إليه فن وتقنية الإعلام، وكانت قناة الجزيرة التي جاء أسمها من كون قطر شبه جزيرة.

عندما انطلقت قناة الجزيرة في عام 1996 كان المد القومي يترنح لكنه لا زال موجوداً، وكان المد الإسلامي يمور تحت السطح ولكنه لم يظهر بعد، وكان على الجزيرة أن تستغل الموجتين وتراهن على الموجة الأقوى كلما برزت إلى سطح الأحداث، من أجل الانتشار. العامل القومي والعامل الديني هما ما يحرك ويستحوذ على مشاعر العرب من المحيط إلى الخليج. في حرب أمريكيا على افغانستان عام 2001 كانت الجزيرة إسلامية، وفي حرب أمريكيا على العراق في 2003 كانت قومية عربية، وفي حرب إسرائيل على لبنان في 2006 كانت قومية وإسلامية في نفس الوقت. ظهر الإسلام السياسي فجأة مع انفجار ثورات الربيع العربي، ولم يعد هناك وقت للتردد. ركبت الجزيرة الموجة العارمة وانخرطت بعمق في نقل أحداث هذه الثورات بطريقتها الخاصة، وأصبح العامل الإسلامي هو الحصان الرابح في المضمار العربي.

قرار الجزيرة غير المعلن في ركوب موجة الإسلام السياسي كان تماشيا مع السياسة القطرية التي تبحث عن تأكيد الذات واكتساب مظاهر القوة كما أسلفنا. بات التماهي في التيار الإسلامي عن حق أو عن باطل، والدفاع عنه وتبن وجهة نظره من القواعد الأساسية في عمل الجزيرة الإعلامي. كل تلك العبارات الرنانة التي لا تكف الجزيرة عن ترديدها عن الرأي والرأي الآخر، والرأي بكل ألوان الطيف، ونقل الخبر كما يحدث، كلها مجرد مساحيق تجميل تستعملها كل وسائل الإعلام دون أن تبالي بمحتواها فلماذا تبالي الجزيرة؟

انخرطت الجزيرة في نقل أحداث الثورة الليبية بصورة عكست حماس قطر لهذه الثورة، إلى الدرجة التي أثارت تساؤلات المراقبين، لما كل هذا الحماس لتحقيق الديمقراطية  في ليبيا من دولة أبعد ما تكون عن الديمقراطية؟ وبصرف النظر عن الحساسيات الطفولية والخصومات الساذجة بين حاكم ليبيا السابق وحاكم قطر السابق، فإن شراء الحضوة والتأثير والنفوذ عبر تيار الإسلام السياسي كان هو ما يحرك هذا الحماس. مثلما راهنت قطر على الإسلاميين في تونس ومصر راهنت عليهم في ليبيا، وكانت الجزيرة واحدة من الأدوات التنفيذية لسياسة المراهنة هذه.

الليبيون أثناء الثورة رحبوا بوجود الجزيرة في خضم ثورتهم، ولم يكن يهمهم أن تكون الجزيرة صادقة أو كاذبة، قدر اهتمامهم بمن ينقل مآسيهم إلى العالم الخارجي حتى بصورة مبتورة أو مبالغ فيها، فقد كانوا يفتقدون للأداة الاعلامية التي تمكنهم من التصدي لإعلام الطاغية الذي يبتكر لهم كافة أنواع الخرافات والأساطير في سبيل المحافظة على عرشه، والإبقاء عليهم داخل القفص.

يتذكر الليبيون كيف نقلت قناة الجزيرة دخول الثوار إلى مقر قيادة القذافي بباب العزيزية، وعلى رأسهم رجلها الأول في ليبيا في ذلك الوقت السيد عبدالحكيم بالحاج الذي جاء يرتدي بدلة عسكرية أنيقة ومرتبة وكأنه قادم لحضور حفل راقص. أما الشيخ الصلابي فكان نجم الجزيرة بلا منازع في تلك الأيام، ولم يكن يتورع عبر شاشتها في الفتوى في المسائل السياسية والعسكرية والاقتصادية بنفس قدرته في الفتوى في المسائل الدينية.

انحياز الجزيرة لتيار الإسلام السياسي في ليبيا لم يعد سرا، ولم تعد الجزيرة تهتم بالرأي والرأي الآخر في المسألة الليبية. فمنذ انطلاق عملية فجر ليبيا قررت الجزيرة المراهنة على الطرف الذي بدأ لها الأقوى، وكان هذا الطرف هو الذي يمثل الإسلاميون محوره الأساسي. أصبحت مراسلاتها الإخبارية تتكلم عن البرلمان "المنحل"، وعن نشاط حكومة الإنقاذ وكأنها الحكومة الشرعية التي يعترف بها العالم. أما أخبار مجالس شورى الثوار وبطولاتهم في بنغازي واجدابيا ودرنة ضد قوات " اللواء المتقاعد حفتر" فهي منقولة ومصاغة كما تصيغها قناة النبأ. حتى الشخصيات التي تستضيفها وتسميها محللين سياسيين معروفون ومكرّرون، وهم أبعد ما يكونوا عن القدرة على التحليل السياسي.

في الأسبوع الماضي وعندما تلقت المجموعات المتطرفة في بنغازي ضربة قاصمة، تجاهلت قناة الجزيرة الحدث، وفي المقابل ركزت على خبر وجود قوات فرنسية في بنغازي في محاولة للتقليل من أهمية الحدث، وفوق ذلك أفادت بسقوط كذا قتيل من "قوات حفتر إثر اشتباكات في بنغازي". قناة الجزيرة لم تكلف نفسها عناء معرفة الرأي العام في بنغازي وحجم الفرحة الغامرة بدحر المتطرفين لدى أهل بنغازي، فمراسلها الذي يتحرك بالأزرار يتكلم عن بنغازي من قلب طرابلس ناقلا أحلام وأماني حكام طرابلس على أنها الواقع والحقيقة.

إذا كانت قناة الجزيرة تقلب الحقائق في المشهد الليبي بهذا القدر من التدليس، فلابد أنها تقلب الحقائق في أماكن أخرى من العالم. وحيث أن حبل الكذب دائما قصير فلابد أن تظهر الحقائق، عندها لن يكون هناك جزيرة ولا شبه جزيرة.

عبدالفتاح الحميدي

 

شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




0 تعليق