555555555555555

نجوى وهيبه: الشعافيين.. سفينة نوح

ليبيا المستقبل 0 تعليق 65 ارسل لصديق نسخة للطباعة

نجوى وهيبه: الشعافيين.. سفينة نوح

هي قطعة من الجنّة يراها عشّاق الطبيعة لما لها من خضرة، ويراها أنصار البيئة كأنها سفينة نوح  لأنّها تحمي أصنافاً من الحيوانات والنباتات من الانقراض والتناقص، وهي مكان يتسمُ بالهدوء والسكينة، تسمع فيها حفيف أوراق الشجر تحرّكه النسمات وزقزقة الطيور التي تُعشش في شجر المحمية منذ زمن.

هذا المشهدُ من محمية الشعافيين في ضواحي مدينة مسلاتة وأحد أشهر معالمها، وهي من أهم المحميات والغابات في ليبيا.
 


في هذه الغابة من الشجر ماهُو راسخ في "الشعافيين" منذ عقود، وحتى بعد الحريق الذي وقع في عام 2013 بقيت الشجراتُ المحترقة واقفةً كالجثث المحنّطة، لتشهد على بشاعة الجريمة وغموضها. رُشحت "الشعافيين" للانضمام لمحميات المحيط الحيوي من قبل منظمة اليونسكو لكونها ملجأ لأكثر من 20 نوعاً من الثديات والطيور. لكنّ هذه الغابة الهادئةُ ستشهدُ تغييراً غير مسبوق على ملامِحها قريباً، بسبب خط لإنشاء محطة لتوليد الرياح. أبرزُ تغيير سيُرافقُ المشروع هو الضوضاء والأزيز الذي يرافق دوران المراوح إضافة إلى الضرر البصري من ارتفاع التوربينات الجاهزة، إذ يبلغ ارتفاع برج الرياح الواحد 40 متراً، أي ما يقارب ارتفاع عمارة من 13 طابقاً.
 


 جيران المحميّة

يعاني سكان الشعافيين وبقية المدينة من أزمة في الكهرباء منذ سنوات، وهو ما جعل المسؤولين المحليين يُؤيدون هذا المشروع بإنشاء مزرعة للرياح ولو كانت على أرض المحمية. سيف (36سنة) أب لطفلين هو أحد جيران المحمية يبعُد بيته عنها نحو  400  متر، يعرفُها منذ أن كانت غابة مهجورة، تتنزّه فيها العائلات ويرمي بعضُهم فيها القمامة، ثم تحولت جارتُه الغابة إلى مُنتزه ومحمية طبيعية مملوكة للدولة بحكم القانون عام 1998. لكنّ سيف وبعض جيرانه مُتخوفون من إقامة المشروع، بينما يُرحب بعض الأهالي بالفكرة دون التدقيق على بعض الضرر الذي قد يصاحبه. يقول سيف: "نحن قريبون جداً من المحمية ولا نريدُ أن يتم إفساد طبيعتها أو تخريبها إننا نعتبرها من هويتنا وهوية  منطقتنا، عندما ترى ملامح الفرحة على وجوه الزوار عقب التنزه في هدوءها ستشعر بأهميتها أكثر" ويضيف سيف "قد لا تبدو أهميتها واضحة للبعض اليوم لكنّ وجود هذه الغابات في ليبيا أمر مهم لأولادي وللأجيال القادمة". ويتخوّف بعض جيران المحمية من آثار المشروع على صحتهم بسبب تقارير تحدثت عن أمراض بسبب ضوضاء التوربينات. ويرفض سيف وبعض الجيران المعترضين على المشروع الإفصاح عن أسمائهم كاملةً لتعرضهم لتهديدات وصلت التهديد بالقتل بسبب اعتراضهم- حسب قوله.
 


• الطاقة مقابل الهدوء؟

المملكة المتحدة دولة تُنتج أكثر من ربع كهرباء المنازل بالطاقة المتجددة، يُؤجر بعض السكان أراضيهم لمزارع الرياح أو تقام ُ المشاريعُ على أملاك الحكومة. جوليان وجين دافس زوجان من الممكلة المتحدة، اشتهرت قصةُ نزاعهما مع شركة تنفيذ مشروع للرياح قرب بيتهما، حيث تسبب ضجيج التوربينات ذو التردد المنخفض في صوت همهمةٍ دائم سبب لهما اضطرابات نوم وصداع أجبرهُما على الرحيل عن بيتهما. رفع الزوجان قضية ضد الشركة، ودام نزاعهُما القضائي خمس سنوات وكسب فيه الزوجان تعويضات عن الضرر. يقُول م. فوزي البخاري مدير إدارة التخطيط في الجهاز التنفيذي للطاقة المتجددة - الجهةُ المسؤولة عن المشروع - إن الجهاز اهتم بدراسة مدى مُلائمة المنطقة للمشروع واحتمالية إلحاق ضرر بالسكان المحليين من عدمه. وأضاف بأنهم قيّموا المنطقة عبر بحوث مسحية أجرتها الشركة الإسبانية المنفذة للمشروع، وأكد البخاري أن نتائج المسح بيّنت أن لا ضرر من إنشاء المشروع، وأضاف بأنه قد  تم دراسة النتائج والموافقة عليها وعليه تقرر التنفيذ. إنّ قوانين الشفافية في الدول المتقدّمة التي تحرص على إشراك السكان المحليين في القرار، تطلعهم عل الأثار البيئية والآثار المحتملة للمشروع قبل البدء في التنفيذ، وتجعل أي نتائج مُتاحة للسكان لأنهم هم المعنيون بالسلبيات والإيجابيات للمشروع، وعادة ما يكون النشر عبر مواقع الإنترنت الرسميّة للجهات المنفذة أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو الإعلام. الجهاز التنفيذي للطاقة المتجددة موقعه الإلكتروني معطّل منذ مدّة بسبب خلل فني، وإذا ما أصلح هذا الخلل هل سينشر للسكان الآثار البيئية للمشروع أو غيره؟
 


• هل هي صديقة للبيئة حقا؟

من بين الأمور الأساسية عند اختيار موقع لإنشاء مشاريع طاقة الرياح، أن يكون الموقع واسعاً خالياً من بناء، وهذا يفتح تساؤلات حول مصير الشجر في الغابة، إنها أنواع مختلفة، بعضها بحاجة لإكثار وأعداده متناقصة، وأي إزالة لأي نبات دون دراسة قد يكون له ضرر على المدى الطويل. يقول إبراهيم القهواجي وهو عضو في الجمعية الليبية لحماية الحياة البريّة: "إنّ المحميات ينبغي أن تبقى أراض مُحايدة لا تقام عليها أية مشاريع قد تغيّر بيئتها". ويُضيف القهواجي بأنّ ليبيا خسرت عدداً كبيراً من الغابات خلال سنوات قليلة وهذا يعني ضرورة حماية على ما تبقى... "نخشى أن نستيقظ يوماً فلا نجد الشجر ولا المحمية ونجد بدلاً عنها توربينات الرياح الشاهقة". في هذا الخصوص يوضح م. فوزي البخاري إن المشروع لن يشغل من "الشعافيين" إلا مساحة صغيرة تُشكل أقل من 1% من إجمالي مساحة المحمية البالغة 1000هكتار، ويؤكد البخاري أن المشروع لا يسعى لتخريب بيئة المحمية، وقد تتعارض المؤشرات الرياضية والحسابية مع هذا القول، إذ أن إدخال برج  يبلغ طوله 40 متراً لمكانه لا بد وأن يتطلب إزالة مئات الشجر لتوسعة الطريق.

• أرض بدون صاحب 

بحسب أرقام  أطلس الرياح وأجهزة القياس التي وُضعتْ في عدة مناطق ليبية، فإن محمية الشعافيين ليست المكان الوحيد المناسب لإقامة مزرعة رياح، بل أشارت الأرقامُ أيضاً إلى ترهونة ودرنة وغيرهما، وهذه أيضاً تعاني من أزمات كهرباء، وهي ليست محميات طبيعية وبالتالي لن يتعارض المشروع مع البيئة. لكن إقامة المشروع في أي مكان عدا المحمية سيكون أكثر تعقيداً؛ إذ سبق وتعرقل تنفيذ مشروعٍ مشابه في درنة قبل سنتين بسبب اعتراضات الأهالي والسكان على تعويض وإيجار الأراضي التي سيُقام عليها المشروع، ما أدى لتوقف إنشاء المحطة. وإذا ما أُقيم المشروع هذه المرة على أرض المنتزه فلن يكُون هناك خلاف على إيجار أو تعويض لأن الأرض مملوكة لوزارة الزراعة وهذه لم تتخذ موقفاً حازماً للدفاع عن"الشعافين" بل حوّلت الأمر لموافقة الهيئة العامة للبيئة، وربما هذا هُو السبب في الاتجاه إلى المحمية دون غيرها. الهيئة العامة للبيئة من جهتها وبعد ضغوطات وجهود جيران المحمية والجمعيات البيئية منحت موافقة غير نهائية للمشروع  تشترطُ إنجاز دراسة EIA دراسة تقييم بيئي للموقع واتباع عدة توصيات تتعلّق بالنباتات والطيور التي ستواجهُ تهديداً مباشراً بنصب المراوح، أما عن مدى التزامهم بالتوصيات فهذا مرهون بالمستقبل.

• تجارب مشابهة

في وقت سابق من هذا العام تحدثت السلطات المحلية لمدينة هانوي؛ عاصمة فييتنام عن مشروع خدمي ضخم للسكان، لكنه سيتسببُ في قطع مئات الشجر العريق. لقد قوبل المشروع بترحيب البعض ورفض واعتراض آخرين شكلوا حراكاً شعبياً تسبب في توقف المشروع، وهذه القصة شبيهة أيضاً بمظاهرات اسطنبول 2013 بسبب خطة بناء مركز تجاري ضخم على أرض منتزه غيزي بارك.. هي نفس ُ الغابة إذاً يراها بعضنا بعين من يغار عن غابة بكرٍ توفر ملاذا للحيووانات والنباتات وثروة طبيعية في بلاد تلتهم الصحراء كل يوم المزيد منها، بينما يراها آخرُ حلاً لمئات البيوت المظلمة دون النظر لما يسكن فوقها وقرب حدودها، ليس من الخطأ أن تختلف نظرتنا للغابة، لكن الخطأ أن لا يستمع أحدنا للآخر.

نجوى وهيبه

* الصور المرفقة من الإنترنت وموقعة بأسماء أصحابها.

 

شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




0 تعليق