555555555555555

الثورة لم تفشل... فما الذي فشل إذن؟

ليبيا المستقبل 0 تعليق 114 ارسل لصديق نسخة للطباعة

الثورة لم تفشل... فما الذي فشل إذن؟

(كلمة انصاف بن غلبون في ملتقى "الجالية الليبية في لندن وجنوب انجلترا"
لإحياء الذكرى الخامسة لثورة فبراير - لندن - 28 فبراير 2016)

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نلتقي اليوم -أيها السيدات والسادة- لنحيي الذكرى الخامسة لثورة فبراير المجيدة بينما تمرُّ بلادنا العزيزة بظروفٍ قاسية... ويعاني شعبنا من بؤسٍ وضَنك وصل إلى حد الجوع في بعض مناطق الوطن ومدنه الرئيسية... وهي ظروفٌ ومعاناةٌ لا تخفى على أحدٍ من الحاضرين هنا، لذا فإنني لن أخوض في تفاصيلها... لا للتقليل من شأنها أو من حدّة وطأتها... أو لعدم اكتراثٍ بها.  بل لأنني واثقةٌ من أن كل الحاضرين هنا يعايشونها يوماً بيومٍ ولحظةً بلحظة مع أهلهم وذويهم داخل ربوع الوطن.

كذلك فإنني سأحاول قدر المستطاع ألّا أخوض في تفاصيل الشؤون السياسية التي تعصف بالبلاد وتُفرّقُ بين الأخوةِ والأهل في المدينة الواحدة، وفي الأسرة الواحدة، بل وداخل البيتِ الواحد... وتكادُ أن تفرّق بين "المرءِ وزوجِه"... ولكنني أستأذنكم في الوقوف على بعض المحطات التي انتجت ما تعاني منه بلادِنا العزيزة  لأن الصمت على ذلك لم يعُد مُبرَّراً.

ولعله ينبغي التذكير بأن ما نلتقي هنا لإحياءِ ذكراه هو  "نجاح الثورة"، وليس "فشل قيام الدولة" الذي تلى ذلك... فشتّان بين هذا وذاك، ولا أحسب أن الفرق الشاسع بين الأمرين بخافٍ عن أحدٍ من بيننا... فالثورةُ العظيمة نجحت نجاحاً باهرا مُنقطِع النظير في توحيد سخط الليبيين وتوجيه جهودهم نحو الهدف المنشود حتى حققت مبتغاها وأسقطت ذلك الفرعون الذي علا واستكبر، وطغى وتجبّر واستهتر بكرامة المواطن وتحكّمَ في قوْته وحرّيته. هذه حقيقةٌ واضحةٌ وضوح الشمس في رابعةِ النهار، ولا يُنكرها إلا مُكابر أو جاحد للحق.

******

إن ما حدث في فبراير 2011 هو تطوّرٌ طبيعيٌ لوضعٍ غير طبيعيّ .... ونتيجة حتمية لوضعٍ شاذٍّ لا يمكن استمراره...  فلولم تقُم الثورة في 2011 لقامت في العام الذي يليه، أو بعد ذلك بعامين أو 5 أو 10 ولكنها كانت آتية لامَحالة... فمن طبيعة الأشياء وقوانين الطبيعة أن "يولّد الضغط الإنفجار"... وشعبنا الأبيّ عانى وكظَم لعقودٍ طويلةٍ حتى فاض به الكيل، و"فار التنور" يوم 15 فبراير... فاستوت عنده - في لحظةٍ مباركةٍ - الحياةَ بالموت... الحياةُ الكريمة أو الموتُ الكريم ... فطبّق مقولة "الموت مَرّة، ولا الحياة المرّة" تطبيقا عملياً... أما حياة الذل والهوان التي فرضها عليه ذلك النظام الجائر فلم يعُد لها مكان عنده...

هذا هو ما نحتفي به اليوم أيها الأخوات والأخوة، وحريُّ بنا أن نحتفي به في العام المقبل، والذي يليه، وفي كل عام مادام في العمر بقية... وأن نعرّف به الأجيال المقبلة ليتخذوا من تلك اللحظة المباركة نقطة بيضاء ناصعة في تاريخ هذه الأمة يعودون إليها مستقبلاً في كل مرّة يتعرضّون فيها لظلمٍ أو لجورِ حاكم أو مستعمر ويحتاجون فيها إلى نِبراسٍ يستنيرون به ليخرجهم من دياجير الظلام إلى نور الحرية.

فإن أيّ شعبٍ يكون من بين أبناءه من يرتقي ويسْمو لهذه اللحظة فهو شعبٌ أبيٌّ حُرٌّ عزيزٌ يتشرف المرء بالإنتماء إليه والتضحية من أجله... وأي ثورة تكون هذه نتيجتها فهي مناسبة وطنية تسجّل بأحرُفٍ من نور وتُخلّد ويُحتفى بها.

******

ولكن وفي ظل هذه الظروف العسيرة وتحت وطأة الشعور بالخيبة والخذلان الذي يشعر به المواطنون بسبب الفشل في الانتقال من حال الثورة إلى حالة الدولة والاحباط الناجم عن حالة الفوضى والخراب السائدة في أرجاء الوطن تسلل إلى أذهان البعض الشك في جدوى هذا التغيير الذي طالما حلمنا به... في ظل كل ذلك يسعى المرجِفون المهزومون لاستغلال هذه الأوضاع المتردية للترويج لنغمة كيدية مفادها بلهجتنا الدارجة "أيش زرّكم عليها؟ ... كنتو متريّحين"، وتدويرُ سؤال ظاهره برئٌ وباطنه دسيسةٌ وخُبث: "هل نجحت ثورة فبرايرأم فشلت؟" يعقبه تساؤل "ماذا حققت ثورة فبراير غير الفوضى والخراب؟"... الخ.. من هذه الأراجيف لبث الروح السلبية بين المواطنين والتسلل بها إلى أذهان الناس للنيل من الثورة المجيدة وإدخالهم في دوامة الإحباط والندم والحيرة كخطوة أولى تتبعها خطوات الغرض منها إعادة عقارب الساعة إلى الوراء وتجيير اخفاقات وفشل قيام الدولة لصالح النظام المنهار.

وأقل ما يمكن وصف هذا المسعى به هو أنه مسعىً غبيّ وتافه ومحاولةٍ يائسة لأن ثورة فبراير ليست عملا فرديا أو مؤامرة نفّذتها مجموعة أو حزب أو قبيلة يمكن إلقاء اللوم فيه على من خطط له ونفّذه وتأليب الناس ضده. وهذا مايغيب عن عقولهم التآمرية الاستبدادية التي لا تعرف إلا نمطا واحدا للتغيير هو الانقلاب العسكري. ولا تعرف إلا حكم الفرد والجبر والقهر والعسف، وبالرغم من ادعاءاتهم الثورية فهم لا يعرفون حتى معنى كلمة ثورة.

******

فثورة فبراير نجحت نجاحا باهراً منقطع النظير أيها الأخوة والأخوات... لأنها حققت هدفها المنشود بإسقاط ذلك الطاغية المجرم ونظامه البغيض، وحررت الشعب من قيودِه وأغلاله وذُلّه وهوانه وأعادت للمواطن الشعور بكرامته التي استأصلها ذلك المجرم حتى أنشأَ أجيالا بأكملها لم تذق طعم ذلك الشعور أبدا قبل فبراير 2011... فأعادت للمواطن شعوره بملكيته لبلاده وحقه فيها.

فمالذي فشل إذن؟

إن الذي فشل –فشلا ذريعا ومدويّاً- أيها السيدات والسادة... هو بناء الدولة الذي يعقب نجاح الثورة، وهو ما أنتج هذه الحالة من الفوضى والخراب والدمار، والبؤس، والتشرد، والقتل، والنهب، والفقر! هذا هو الفشل المخزي والعار الذي لا يمكن تبريره أو السكوت عليه.

ولكنه فشل لا يُدرج في سجلّ ثورة فبراير، بل يقع بالكامل على عاتق من تصدروا المشهد وأوهموا الشعب المنتصر (الذي أحسن الظن بالجميع) بأنهم يعملون لمصلحته وأن "الخير جايكم غير اصبرو".

وبدون الانزلاق إلى مستنقع السياسة فإنني أجد لزاماً عليّ أن أسمّي بعض الأشياء بمسمياتها... حتى لا ينجح هؤلاء في تشويه صورة الثورة الجميلة بعد أن شوهوا صورة ليبيا الحبيبة بين دول وشعوب العالم، الذين صاروا يتساءلون "ماذا بكم أيها الليبيون؟ ماذا طرأ لكم؟ أين عقولكم... وأين عقلائكم؟"

هؤلاء "الخوّنة" هم من أوصل الأمور إلى ما آلت إليه اليوم ووضعوا الوطن على حافة الهلاك، وعلى شفير التقسيم والحروب الأهلية.

وأنا أستعمل هذا النعت القاسي - وأنا وحدي مسؤولة عن كلامي هذا - لوصف كل من قدّم مصلحته، أو مصلحة انتمائه واستغل غفلة وبراءة وحسن ظن الشعب به على مصلحة الوطن العليا، التي يجب أن تكون دائما فوق الشعارات وفوق الأيديولوجيات، وفوق كافة الانتماءات.

بعض هؤلاء الخوَنة خان بدافع العمالة للأجنبي الذي أتت رياح ثورة فبراير بما لا تشتهيه سفُنه.

نعم لقد كان وجود القذافي ضامنا لمصالح الدول الكُبرى المتحكمة في المنطقة. فهم قد غضّوا البصر عن عسفه وقمعه في حقّ شعبه لعقودٍ طويلة، وتعوّدوا على شذوذه الذي كان يمارسه محليا -على شعبه فقط- أما ما كان يمارسه ضدهم من إزعاج محدود كانوا يدرجونه تحت تصنيف "الشذوذ المسلّي"، ويتعاملون معه بما لا يلحق الضرر ببلدانهم أو بمصالحهم في ليبيا.

وما أن تحرك زلزال فبراير وقابله المقبور وابنه المعتوه بحزمة من التصرفات الارتجالية الخاطئة أخرجته عن السيطرة حتى وجدت الدول الكبرى صاحبة المصلحة الأولى في ليبيا أن عليها أن تساير هذا السيل الجارف وتحتويه حتى لا يخرج عن السيطرة لتعود خيرات هذا الوطن لتصب في حساباتهم من جديد، فحرّكوا عملائهم –الكُثُر- (الذين كانوا متواجدين في قلب النظام ومفاصله، وبالقرب من أصحاب القرار فيه، بالإضافة لمن كانوا بالخارج وعادوا زُرافاتٍ ووِحدانا)... ومهّدوا لهم الطريق إلى المواقع الحساسة في الهيكل الليبي الجديد -الهشّ والمرتبك- لتنفيذ مخططاتهم المرسومة بكل إحكام ودقة.

البعض الآخر خان الثورة بدافع الانتماء الحزبي الضيّق الذي رأى في تلك الفوضى فرصة للتغلغل في مفاصل ذلك الكيان الهش لتسييره نحو تحقيق أحلامهم بالسيطرة على ثروات ليبيا واتخاذها موضع قدم للإنطلاق منها نحو الهيمنة على بقية دول وشعوب المنطقة. وهؤلاء لا تُنفى عنهم صفة الخيانة لأنهم خانوا ثقة الشعب بهم وبشعاراتهم من ناحية، وكانوا يخدمون مآرب جهاتٍ أكبر منهم لها أجندات أكبر منهم من الناحية الأخرى.

وهناك من كانوا ثواراً حقيقيين ولكنهم تحولوا إلى أمراءَ حربٍ بعد أن أدمنوا نشوة السلطة وذاقوا حلاوة المال الغزير.

كذلك فهناك الفاسدون والانتهازيون الذين رأوا في ذلك الكيان الهش المرتبك فرصةً للسلب والنهب تحت مسميات براقة ما أنزل الله بها من سلطان.

وهناك الأغبياء سيئِي التدبير والتصرف، الذين وضعتهم الأقدار في مواقع أكبر من قدراتهم وطاقاتهم وأخذتهم نشوة السلطة والأهمية وصناعة الأمجاد الشخصية حتى عمتهم عن قصورهم وهم من أهدروا فرصة الشروع الفوري في بناء الدولة الجديدة على أساسات دولة الاستقلال وتجاوُز الإرث الفاسد الذي تركه المقبور. فتجاهلوا دستور البلاد الذي كان من شأنه تسيير الشؤون مؤقتا لسد الفراغ السياسي الناجم عن سقوط نظام لم يترك مؤسسات ولا هياكل إدارية يمكن تسيير الأمور بها، إلى أن يستتب الأمن وتستقرّ الأوضاع ويُجرى الإستفتاء على شكل الدولة ونظام الحكم الذي يرتضيه الشعب بملء إرادته الحرة واستعاضوا عنه بمَسخٍ سُمي الإعلان الدستوري أثبتت الأيام أنه كان نقطة البداية للدمار الذي حلّ بالبلاد وأوصل الأمور إلى الحالة المزرية التي وصلت إليها اليوم.

إن تجازوهم للدستور الليبي أيها -السيدات والسادة- لم يأتِ عن جهلٍ أو عن عدم إدراك. بل جاء عن وعيٍ تامٍ، وفهمٍ واضح لدور التفعيل الفوري للدستور بعد الثورة في منع الفراغ الذي سيمكنهم من التسلّل إلى مفاصل الهيكل الجديد وتثبيت أنفسهم كأمرٍ واقع يفرض نفسه على كلِّ مصلحٍ جديد.

ولكن مادقَّ عن أطماعهم هو أن ذلك الفراغ لن يترك مجالاً لأي إصلاح. وأن ذلك الهيكل الهشّ سينهار بهم وبالبلاد إلى هذا الواقع المرير الذي يكابده شعبنا اليوم.

أما الثوار أيها ألأخوة والأخوات، (أصحاب ثورة فبراير ووقودها) فهم ثوار وحسب... لا يعرفون كيف يديرون بلد ولا كيف يشكلون حكومة ولا يتفاوضوا مع دول... فهم "رجال فزعة"... انتهت أدوارهم بانتهاء مَهامِّهم، فعادوا إلى بيوتهم ووظائفهم معتقدين أن من تقدموا لقيادة السفينة إلى بر النجاة هم وطنيون أنقياء مخلصون مثلهم، ولم يخطر ببالهم أن أفضلهم مجرد "متسلق يعني شعباط" وأكثرهم عملاء للأجنبي أو للحزب والإيديولوجيا، وأن الوطن عنده يعني مصلحته ومصلحة حزبه وجماعته.

ذلك أدى بطبيعة الحال إلى انهيار ماتبقى من البنية التحتية التي نخرها المقبور بإتقان على مدى عقود طويلة لكي تنهار البلاد في حال إنهار حكمه، وذلك أدى إلى سقوط الدولة وفقدان هيبة السلطة فلجأ كلٌّ إلى منطقته، وقبيلته، أو جماعته التي توفّر له الأمن وتشكّل معه عُصبةً تساعده على "انتزاع" ماصار يعتبره حقه المشروع في ثروات بلاده وخيراتها، حتى تفاقم الأمر ورُفع السلاح في غياب العقل والمنطق، وهان الدم ورخُص فسال شلالات وأودية هدرا.

أعتذر عن الإطالة أيها السيدات والسادة، وفي الختام أودّ أن ألخّص مشاعري ومشاعر من شرّفوني للمرة الرابعة للحديث باسم "الجالية الليبية في لندن وجنوب انجلترا" حيال ثورة فبراير العظيمة بالقول: بأننا نحمد الله أن مَنَّ علينا بأن عشنا تلك اللحظة الرائعة، وعايشنا ذلك الحدث العظيم، وساهمنا في تحقيقه. ففرحة فبراير -بالنسبة لي شخصيا- كانت أسعد أيام حياتي قاطبة. أقول ذلك بكل صدق وأمانة وفخر واعتزاز.

فلكل واحدٍ منّا فرحات في حياته... على الصعيد الأسري أو الدراسي أو المهني الخ... ولكن فرحة فبراير لها طعم مختلف عن كل ما سواها، فطعمها ممزوجٌ بالفخر والعزّة والشموخ واستعادة الكرامة.

دمتم ودام الوطن... عزيزا كريما منصورا، وفي رعاية الله وحفظه ورحم الله شهدائنا الأبرار وجازاهم عنّا أفضل الجزاء، وعوّض أهلهم وذويهم وعوّض الوطن عنهم... والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

انصاف بن غلبون

 

شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




0 تعليق