555555555555555

الأزمة الدستورية الحالية في ليبيا

بوابة افريقيا 0 تعليق 111 ارسل لصديق نسخة للطباعة

• مقدمة:

عقب التوقيع على الاتفاق السياسي في الصخيرات في شهر ديسمبر المنصرم من أطراف الحوار الليبي وتحت إشراف بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، لاحت بوادر أزمة دستورية في الأفق تتعلق بتنفيذ الإتفاق السياسي وتحديدا دخوله حيز النفاذ. وبسبب الغموض بشأن دخول الاتفاق حيز النفاذ في الاتفاق ذاته، وتحديدا في المادة (65) والتي نصت على إجراء تعديل الإعلان الدستوري لكنها لم تحدد صراحة الجهة التي يتعين عليها تعديله ولا طريقة هذا التعديل، فإن هذه الأزمة الدستورية بدأت تتفاقم ككرة الثلج، وبما يمكن أن تفشل هذا الاتفاق أو أن تؤدي إلى صراع جديد. ومن المتعين أولا تبيان هذه الأزمة من زاويتها القانونية وتفكيكها، ثم محاولة إيجاد مخرج لها.

• الأزمة الدستورية الحالية:

ضم الاتفاق السياسي الموقع عليه من أطراف الحوار قطبين رئيسيين للأزمة الليبية هما مجلس النواب السلطة التشريعية الحالية المنتخبة عام 2014 بناء على تعديل دستوري وقانون انتخابات صادر عن المؤتمر الوطني العام من جهة، والمؤتمر الوطني العام السلطة التشريعية السابقة المنتخبة في عام 2012 والتي عادت للمشهد السياسي بعد انتخابات 2014 والتئام مجلس النواب، مما عصف بالمسار الديمقراطي الليبي واحدث انقساما ودفع بالبلاد إلى اتون حرب أهلية. وعليه فإن توقيع الأطراف على الاتفاق هو تصرف قانوني يرتب التزامات عليهم وردت في هذا الاتفاق وتستدعي منهم الوفاء بها حسبما ورد فيه. وفي مقال سابق لنا بعنوان (الاتفاق السياسي الليبي بين التوقيع عليه ودخوله حيز النفاذ)  بينّا أن الاتفاق السياسي نص على خطوات ثلاث: الإقرار، التوقيع، الدخول حيز النفاذ. وبينّا أن خطوتي الإقرار والتوقيع في حقيقتها خطوة واحدة. لكن الاتفاق لم يبين صراحة الجهة التي تلتزم بإدخاله حيز التنفيذ، كي يتعدى الاتفاق أطرافه ويسري على الجميع، وهنا مربط الفرس. لذا فإنه من اللازم الغوص في نصوص الإتفاق السياسي لتوضيح هذه المسألة الإجرائية. ولتبيان الإجراءات المتعينة الإتباع عقب التوقيع على الاتفاق، فإنه من اللازم قراءة الإتفاق السياسي بأكمله وعدم التوقف عند نص أو فقرة. ذلك أن المادة (66) من الإتفاق السياسي تنص على "أنه وفقاً لقواعد تفسیر النصوص القانونیة، یتعین تفسیر كافة المواد الواردة في الاتفاق وملاحقه  كحزمة واحدة بما یكفل الوحدة فیما بینھا".

• بداية الفترة الانتقالية الحالية:

ووفقا لنص المادة 1 من الأحكام الإضافية، فإن الفترة الانتقالية التي يحكمها هذا الاتفاق هي الفترة التالية لاعتماد الاتفاق ولحین انعقاد الجلسة الأولى للسلطة التشریعیة بموجب الدستور اللیبي. كما وأن نص المادة 2 من الأحكام الإضافية تقول "عقب اعتماد وإقرار الاتفاق السیاسي اللیبي، تعد حكومة الوفاق الوطني السلطة التنفیذیة الوحیدة في البلاد وأیة قرارات تنفیذیة تصدر من عداھا تعد باطلة ولا یعتد بھا قانوناً". ومن هنا يتضح أن بداية الفترة الانتقالية التي يحكمها الاتفاق هي التالية لإعتماد الاتفاق، كما وأن حكومة الوفاق لن تكون سلطة تنفيذية إلا بعد اعتماد واقرار الاتفاق... والسؤال هنا ما المقصود بإعتماد وإقرار الاتفاق السياسي؟ هل يقصد بذلك مجرد التوقيع عليه، أم انه يتعين القيام بإجراء لاحق يدفع به إلى فضاء التنفيذ؟... وفي غياب تبيان واضح لهذه الإجراءات المهمة، وبسبب تلاحق الأحداث على الأرض كدخول مجلس رئاسة الوزراء (المجلس الرئاسي) العاصمة طرابلس بل ومباشرته أعماله، وعدم تمكن مجلس النواب الليبي من عقد جلسة صحيحة لمنح الثقة للوزراء المقترحين من المجلس الرئاسي، وإجتماع بعض أعضاء المؤتمر الوطني العام وتشكيل مجلس الدولة، وكلها أحداث في الواقع تجاوزت المتطلبات والإجراءات القانونية مما أدى إلى حدوث هذه الأزمة الدستورية الإجرائية المتعلقة بدخول الاتفاق حيز النفاذ من عدمه.

• إختلاف المصطلحات وغياب الإجراءات:

اشتمل الاتفاق السياسي على عديد المصطلحات بخصوص مرحلة تنفيذ الاتفاق، فاستخدم "الإعتماد" و"التوقيع" و"الإقرار" و"الدخول حيز التنفيذ". إلا انه أكثر من استخدام مصطلح إقرار الاتفاق السياسي، الأمر الذي زاد من غموض الموقف والإجراء. وكان على الاتفاق أن يفرد نصا خاصا بالإجراءات المتبعة بعد التوقيع عليه. ومما زاد الطين بلة، هو أن الملحق رقم 4 من الاتفاق والمعنون " مقترح تعديل الإعلان الدستوري" لم يبين الجهة التي تصدره أو تتبناه.

• الجهة التي يتعين عليها "إقرار" الاتفاق ودخوله حيز التنفيذ:

من خلال نصوص الاتفاق، فإنني أرى أن مجلس النواب هو المختص بإقرار الاتفاق ودخوله حيز النفاذ. لكنني في ذات الوقت أرى واعتمادا على المبادئ الاساسية في تنفيذ العقود خاصة مبدأ حسن النية الذي أكد عليه الاتفاق، فإن إقرار الاتفاق واعتماده من مجلس النواب ليس خيارا بل التزاما يتعين عليه الوفاء به. ومن هذا المنطلق فإنه وإن كان إحترام السلطة التشريعية واجب من خلال الاتفاق، فإن هذه السلطة عليها التزام وواجب بإحترام التزاماتها الناشئة عن هذا الاتفاق. وما يؤكد ذلك أن مجلس النواب لم يكتف بالتوقيع على الاتفاق السياسي، بل تعدى ذلك بخطوة مهمة عزز فيها توقيعه هذا بتبني قرارا في اجتماعه العادي رقم 1 بتاريخ 25/1/2016، والذي جاء فيه " بخصوص البند الأول والخاص بمناقشة موضوع المصادقة على الاتفاق السياسي تم التصويت بعدد 97 صوتا من أصل 104 صوتا عند عدد الحضور على أنه "يصادق مجلس النواب على الاتفاق السياسي الموقع يوم 17 ديسمبر 2015 مع الغاء المادة الثامنة من الأحكام الإضافية". وهو ما يعني أن مجلس النواب قد وقع على الاتفاق السياسي وصادق عليه. وسيثور حتما السؤال التالي وهو أن هذه المصادقة لم تأت بالموافقة للإعلان الدستوري من حيث النصاب المطلوب لإجراء تعديل عليه استنادا لنص المادة 36 منه. وللرد على ذلك يمكن القول أن هذا الاتفاق ليس تعديلا دستوريا عاديا ينم عن إرادة فردية لمجلس النواب، بل هو تنفيذ لالتزام قائم على مجلس النواب بالتصديق على الاتفاق وليس حقا أو اختيارا له. بل يأتي في اطار اتفاق يرتب التزامات متقابلة لا يجوز التنصل منها استنادا إلى تقاعس من الجهة التشريعة أو إهدار للالتزامات الناشئة عن الاتفاق. وعليه لا يمكن لأعضاء من مجلس النواب تقاعسوا عن أداء واجبهم في حضور الجلسات خاصة جلسة " المصادقة" على الاتفاق السياسي أن يتحججوا بالنصاب القانوني للتعديل الدستوري، إذ أنه وفي حقيقة الأمر يتعين تطبيق اللائحة الداخلية عليهم بالخصوص. فلا يمكن استخدام انتهاك التزامات النائب الذي أقسم اليمين في جلسة علنية "أن يحافظ على استقلال الوطن وسلامة أراضيه وأن يرعى مصالح الشعب وأن يحترم الإعلان الدستوري والقانون...."،  حجة لانتهاك أكبر وهو عدم تحمل مسؤولياته ودوره في مرحلة تارخية وعصيبة في تاريخ ليبيا تتعلق بمصير البلاد ووجوده. وعليه، فإن الخطوة المقبلة لمجلس النواب وهو عمل قانوني مضن وشاق، هو إدخال نصوص الاتفاق السياسي صلب الإعلان الدستوري والخروج بوثيقة دستورية واحدة تحت مسمى " الإعلان الدستوري" لمواجهة المرحلة الانتقالية الجديدة.

• حكومة الوفاق الوطني:

تشكل حكومة الوفاق الوطني وفقا للمادة 1 من الفصل المعنون "حكومة الوفاق الوطني" من الآتي:

1. مجلس رئاسة الوزراء2. مجلس الوزراء

وهي بشقيها تشكل السلطة التنفيذية للبلاد... وحيث أن مجلس النواب قد تبنى الإتفاق السياسي في جلسته التي انعقدت في يناير 2016، والتي يسري بخصوصها ما ذكرناه من حجج تتعلق بدخول الإعلان الدستوري حيز التنفيذ، فإن المجلس الرئاسي يكون قد تشكل، خاصة وأن محضر الإجتماع المشار اليه قد تجاوز المسألة بمناقشة منح الثقة للوزراء المقترحين من مجلس رئاسة الوزراء. بل أن هذا المحضر قد ذهب إلى أبعد من ذلك حين تلى بيانا يطالب فيه أعضاء المجلس الرئاسي المعلقين لعضويتهم بالعودة لاستئناف مهامهم،  كما وأنه خاطب "المجلس الرئاسي" بإعادة تشكيل حكومة الوفاق الوطني بما يتناسب ومتطلبات المرحلة الراهنة التي تمر بها البلاد". ويعد منح الثقة لوزراء الحكومة من صميم اختصاص مجلس النواب (المادة 3/ بند حكومة التوافق الوطني)، وهو أمر مؤكد في نصوص عديدة من الاتفاق السياسي، وأمر لا يمكن تجاوزه وإلا فإنه يشكل إخلالا جسيما ببنود الإتفاق. وهو عمل سياسي بالدرجة الأولى يقوم على التوافق والتشاور في تشكيل الحكومات كما هو متعارف عليه في دول العالم الديمقراطية، وهي مسألة تتطلب توافقا ما بين المجلس الرئاسي ومجلس النواب اعتمادا على المصلحة العامة وروح الاتفاق والتوافق والتشاور والحوار المشار اليها في الاتفاق السياسي. كما وأنه من المتعين الاسراع في استكمال تشكيلة حكومة الوفاق الوطني، واستصدار قرار منح الثقة من البرلمان، كي تبدأ حكومة الوفاق الوطني المشار اليها في المادة 1/ 4 من البند المتعلق بحكومة التوافق الوطني. وهو أمر يجب أن يؤخذ على محمل الجد فلا يتوسع المجلس الرئاسي في عمله بما يتجاوز قرار منح الثقة وأن لا يعمل بتوسع قبل أن تبدأ ولايته القانونية.

والله ولي التوفيق

سفيرة ليبيا في الهند و محامية
 

الاراء المنشورة ملزمة للكاتب و  لاتعبر عن سياسة البوابة  

شاهد الخبر في المصدر بوابة افريقيا




0 تعليق