555555555555555

د. محمد محمد المفتي: ليبيا وقوارب السـياسة

ليبيا المستقبل 0 تعليق 108 ارسل لصديق نسخة للطباعة

عبر كل عصور التاريخ، لعبت القوارب دورا حاسما لعـودة ملكيات وتأسيس أنظمة سياسية، بل وفي تدشين حـقب الاسـتـعمار. وللشمال الأفـريقي، حتى قـرن مضى،  تاريخه الغني من هذه الزاوية. وفي يوم الأربعاء 30 مارس، وصل السيد فائز السراج، الرئيس الليبي المعين، وأعضاء مجلس الرئاسة على ظهر القارب الليبي السدادة، قادمين من تونس، لتكريس سلطتهم والإحلال محل حكومة المؤتمر الوطني ذات الميول الإسلامية. وستـُسجل هذه الرحلة القصيرة، في التاريخ الليبي كخطوة شـجاعـة ولا شك.

وقد تنفس معظم الليبــيين الصعداء، وخاصة سكان طرابلس، متفائلين ومؤيدين لخطوة السراج. بينما يعكف المحللون على تـوقع ما يمكن أن يحدث بعد الآن. وفعلا ما يزال الموقف السياسي مرتبكا، ومسرحيا، ومشرعا على شتى الاحتمالات المنذرة. والآن، وبعد أن وضعت حكومة السراج قـدميـهـا على الأرض الليبـية، فقد أمست في موقف أقوى لطلب العون العسكري من الأساطيل الأوروبية التي تمخر شــواطئ ليبيا. وثاني يوم وصولها، بدأت حكومة الوفاق (أو المجلس الرئاسي) عـمـلــها فاستقبلت محافظ المصرف المركزي ومدراء البنوك وأعضاء من المؤتمر الوطني الذي يعارض رئيسه بوسهمين حكومة الوفاق.

ولا شك أن المساندة العالمية وخاصة التأييد الأوروبي سيردع المناوئين ويحول دون مهاجمة القاعدة البحرية على شواطئ طرابلس والقريبة من فندق المهاري. لكن المتطرفين الغاضبين قد يشلوا عمل الحكومة بمحاصرة القاعدة، ولكن لا شئ من هذا حـدث حتى الآن. ويعمل كثير من الوسطاء لسحب فتيل التوتر، وربما لمنح المعارضين فرصة مغادرة المدينة. لكن ذلك لن يمنع بعض المسلحين المتشددين من اللجوء إلى العنف.

ومهما كانت النتائج الفورية، فقد برهـن السراج أنه رجل يـفي بوعـوده ولهذا فقد قوبلت مـغـامرتـه الأخيرة، بكثير من الاعجاب. ولا ننسى أنه خلال عطلة عيد الفصح الأخيرة، قام هـو والمجلس الرئاسي بمحاولتين لدخول طرابلس بالطائرة. لكن إغلاق الأجواء الليبية حال دون ذلك. لكن تلك الاستجابة، أي إقفال الأجواء، يوحي أيضا بأن ثمة من كان لديه الحرص والحكمة السياسية للحيلولة دون وقوع مواجهة دموية، مع حكومة تـؤيدهـا الأمم المتـحــدة.

وبالفعل، وفي نفس يوم نزول السراج في ميناء بوستة، اجتمع كوبلر في اسطنبول مع قادة ليبيين من بينهم عبد الحكيم بلحاج قائد الجماعة المقاتلة، والتي تسيطر على مطار امعيتيقة، مطار طرابلس الحالي الذي كان أصلا ولمدة ثلاثة عقود بعد الحرب العالمية الثانية، قاعدة ويلس الأميركية. وبعد اللقاء صرح بلحاج بأن اللقاء تناول كيفية احتواء الموقف في طرابلس والحيلولة دون أي تدهـور في الوضع الأمني هناك". وكان بلحاج في السابق قد اعتقل من قبل المخابرات الأميركية في تايلاند ليسلم إلى حكومة القذافي حيث قضى عدة سنين في السجن. ومثل هذه التشاورات تشير إلى أن الأمور تسير بسلاسة للسراج حتى الآن.  ومع ذلك وحتى لو استقر الأمن، فإن السراج سيواجـه معضلات كثيرة غير الوضع الأمني.

• دســـتـوريا...؟

الواقع أن حكومة الوفاق  لكي تمسي جسما شرعيا، تحتاج أولا لتعديل الإعلان الدستوري، كما ستحتاج إلى اعتمادها من قبل البرلمان في طبرق، وهـو الكيان الشرعي الدستوري في البلاد. إلا أن هذا البرلمان ماطل كثيرا، فلم يستطع مثلا تجميع "نصاب" ولخمس جلسات متتالية.  من جهة أخرى فإن المبعوث الأممي السيد كوبلر، تعامى عن هـاتين الخطوتين، مشبها في حديث معلن، حكومة الوفاق بسيارة إســعاف عليها أن تسرع من أجل المريض الذي بداخـلــهـا رغم أنـها لا تمتلك رخـصـة!!  وبغض النظر عن فجاجـة النكـتة، إلا أنه من الضروري الوصول إلى حل مع البرلمان من أجل الحـفـــاظ على وحــدة البــلاد. من جهة أخرى، يبقى السراج، أسير إجراءات مقيدة تتعلق بكيفية اختيار الوزراء، بل وكيفية اتخـاذ المجلس الرئاسي لقراراتــه حيث أنـها لابد أن تتخـذ بالإجـمــاع وليس بالأغلبـيــة كما هـو متعارف عليه في كل الأنظمة الديموقراطية. وبالمقابل نـلاحـظ أن ثـمـة حميمية وتـلاحم وروح رفاقية بدأت تظهـر بين أعضاء الرئاسي، وهـذا مـؤشـــر إيجــابي.

• الفريق حـفـتــر

البرلمان الليبي مرتبط بشكل وثيق، وهناك من يقول أنـه تحت هيمنة الفريق حـفـتــر في برقــة،  شرقي ليبيا. والرجل، وهـو في منتصف السـبعينات من عـمـره، يخوض حربا ضـد المليشيات وخاصة في بنغازي. وقد فاز الرجل بقـدر كبير من تأييـد سـكان تلك المدينــة التي عاشت فـترة مرعـبــة من الاغتيالات. لكن العملية العسكرية بدورهـا قـادت إلى وفـيــات عاليــة ودمـار مـهـول. الأهـم أن كثيرين يشــكون في طموحـات الفريق حـفـتر على المدى الطويل، رغم أنـه كرر مرارا أن لا عـلاقـة لـه بالسياســة. ومن بين الذين يشكون في نوايا الفريق حـفــتر، أمـيركا والحكومات الأوروبية، وكثير من رجال السياســة في الغرب الليبي. وقـد كان السراج بعد انتخابه، حصـيـفا إذ  زار الـفـريق، لأن عـدم رضا الرجــل ربما قـاد إلى انـقـســام ليـبـــيا بكل ما يترتب على ذلك من تـداعـيــات وخيمـة. ولـهـذا، فـإن حـفــتر يمكن أن يـُـعــدّ بمعنى ما، راعي الوحـدة الليبـية، رغـم ما في هـذه الـعـبــارة من مـفــارقـة !! وربما وجب على المتصدرين لزعامة بـرقة إظـهـار قـدر أكبر من المرونـة، حتى لا يجـدوا أنـفـسـهم مسـتبعدين بالمرة عن دائرة اتخــاذ الـقـرار. ولا ننسى أنه قبل ثلاثة شـهور، أن السيدان عقيلة صالح ونوري بوسهمين، اجتـمـعا في "قمة تاريخـيـة" بمالطـا، ليعلنا رفض أو التحفظ على الحوار الذي ترعاه الأمم المتـحـدة. ونرى اليوم نتيجة ذلك التعنت، بصدور عقوبات ضـد الرجلين كمـعـرقلين للتــوافق الليبي. بل نال الغضب أيضا رئيس وزراء مالطا الذي يبدو أنه استضاف "تلك القـمـة" دون مشـاورة "الكبــار"، ونراه يعاني وحـكـومـته من يوم ليوم من شتي الأزمات والانتـقادات.

 وفـــّـق... وفــرّق

لا شـك أن جـذور الـخــلافات الليبـــيـة، عـديدة. لكن أحـدهـا وأقـربها زمنـيـا، هـو وليــد آداء فـريـق الدعـم الأممي الذي نســّـق الحـوار الليبي من أجـل الـوفــاق. إذ تـمـيز الفريق الأممي بـفـقـــدانـه للمرونـة، وتـحـيــزه للنـخـبة المـثـقــفة التي لا تمتلك وزنــا ســياسيا فاعـلا. ولهـذا جـاء اخـتيــار المحـاورين الليبــيين غير مـحــايـد بل ويكاد يكون مـزاجـيـا. ولهـذا اسـتـبـعـد الـقــادة السـياسيين ذوي التـأثـير في مناطـقـهـم المحـلية. كما اســتـبعـد قـادة الجماعـات المسـلحـة التي وصـمـت دون تـمـيــيز بأنـها إرهـابية. في حين أن حـضـور هـاتين المجـمـوعـتين يـبدو ضـروريا للوصول إلى صـيغـة مقنـعـة لوفــاق ليبي. وإضافـة للأخـطـاء التي شـابت اخـتيـار المشاركين في الحـوار، ارتكب الفريق الأممي زلات بروتوكولية. فالمبعوث الأممي السابق، السنـيور ليون الإســباني، كشف أسماء الوزراء المقترحين، موجـها بذلك إهـانـة واضحة للبرلمــان الذي كان من المفـتـرض أن يـعـينـهـم. هـذا فضلا عن أن الحـوار اقتـصـر على نقاشــات في قاعات مـغـلـقـة، دون أدنى محاولــة لتدشــين اجـراءات موازيــة لتخفيف المعاناة الإقتصادية والإجتماعية الشــائـعـة، ولو في المناطـق البعيدة عن القتال. كما لم تجرى أي محاولة لتأمين استمرار تصدير النـفـط الذي يعيش على ريـعـه كل ليبي.

• التـطـلـــّـع إلى الســلام

ورغـم كل هـذا التـقـصـير، فإن الليـبــيين المنهـكـين جـراء ما كابـــدوا من شتى أنـواع المـعــاناة طيلة العامين الماضـيـين من الحرب الأهـليــة، قـد أظـهـروا صـبرا واسـتـعـدادا للتـغـاضي عن تلك الأخـطـاء التي ذكـرنـاهـا، أمـلا في أن تظـهـر حـكـومة تـؤمن لهم الـغـذاء والمـدارس، وتضمن الأمن وتـســيـطر على التضخـم. ولهذا، وبـقــدر ما تـنـجـح أو تـفشل إدارة السـراج في تـحـقـيـق هـذه المـطـالب، فإن ســيناروهـات أخـرى أســوأ،  تظل تـهـدد ليـبــيا. وقـد قـال لي أخي محـمـود أن المـوقف الليبي الحـالي، هـو بمثـابة معضلة محيرة، ذكرته بسطور للكاتب الليبي الساخـر صادق النـيـهـوم، الذي وصف حيرة فـأر يقف على قطعة جبن في عرض البحر. فالـفـأر ميت في الحالين، إذا أكل الجـبـن غـرق، وإذا لم يأكله مات جـوعـا؟! وأخيرا، لا أخـفى دهـشــتي من النداءات التي قـد تبـدو حـكـيــمة ظــاهـريا، والتي يطلقـهـا بعض الســاســة والمحـلـلـــون عن ضـرورة جمع السلاح الذي لدي المجموعات المسـلحـة سـواء أكانت سياسية أو مؤدلجـة، أو حتى قـبـليــة أو إجـرامية. لكن لا أحـد يـخـبــرنا كيف يمكن أن يتم ذلك دون حـرب. كما يطرح البعض ما هـو أسـواء بالمناداة بحل الميليشـيات لأنـه حـلم مـســتـحيل، وقـد يـقـتصي عـقـدا من الـزمن. للأسـف، فإن السلاح يجـسـّـر صاحـبه، ويمـنـحـه إحـسـاسا بالـقوة الوهـمـيـة، وهـذا ما يجعله يشـعـر أنه أقـوى من خصمه ويمنحـه اعتـقادا بأنـه منتصر لا محالة. لكن الحيوانات أكثر حـكـمـة ممن البشر ولذلك تـقـبل التراجـع والتنـازل، كما تكـشـف أبـحـاث عالم الإيثولوجيا كونــراد لـوريـنـز الحـائز على جـائزة نـوبل. من جـهـة أخـرى، صحيح أن بعض من يحملون السلاح سيـنـتصرون. وصحيح أن بعض الصراعات المسلحة سـتخـمـد نتيجة الإنـهـاك ونضوب الموارد. لكن إخـمـاد كثير من الحروب لا يتم إلا بوقف إطــلاق النـار تـدريجيا، خـطــوة بخـطــوة، وبالمفاوضات التي من شـأنـهـا أن تزرع عـوامل الثـقــة والتـعـارف، أيضا كما قـال لـوريـنـز.

• المـوقـف على الأرض

لا شك أن التـوتـر قـد تـراجـع بسـرعة إثـر وصول المجلس الرئاسي الليبي إلى العاصمة طرابلس. وصحيح أيضا، أن المدن لا تـصـمد كثيرا في المواجـهـات العسكرية، لأن سكانـها يحرصون على تجنب القتال. ولا بـد لنا أن نعترف أيضا بقـدرة الطرابلسيين على قـبول حلول الوسـط دون عـنـاد، مـقـدمين مصلحـة المدينة على كل شئ آخر. وعلى السراج ومجلسه الرئاسي أن يـعـمـلــوا بسـرعة، لبث مناخ من التفاؤل والازدهـار في المشـهد الاقتصادي والاجتماعي الكئيب الذي سيطر على ليبيا خلال الشهور الماضية. ومع هذا فإن الترحيب الدولي والشعبي بحكومة الوفاق، سـتتحدد فعاليته بردود فعل خصومـها وقـدرة الحـكـومـة على  على كبحـهـا. ولابـد للحكومة أيضا أن تحسم الموقف في شرق البلاد بمرونـة واسـتعداد لتبادل التـنـازلات وأن تـوجـه مبادراتـهـا إلى مدينة بنـغـازي بالذات لموقـعـها المركزي في الوجــدان الليبي ولما لحـقـها من دمار. ومن المطلوب أيضا حتى في هـذه المرحلة المبكرة الالتـفات إلى الجنـوب الليبي بزيارات لتضميد ما لحـقه من جروح نفسية وتـهـديد هـويتـه. وعليـنـا أن نـدرك أن اســتـعادة السلام الاجتماعي وقـيـم الحيـاة المتحضرة سـتـضل أهـدافـا بـعـيــدة وتحـتاج لزمن أطـول، يقتضي الوصــول إليها عـبـور مراحـل وعـقـبــات ربما سـتكون أكثر صـعـوبة مما تـم إنجـازه حتى اليوم. وفي كل الأحـوال على الليـبــيين أن يكـونـوا واقـعيــين في تقييم قـدراتـهـم، وفي إدارة صراعاتهم، وفـهـمـهم لمطالب ومصالح المجـتمـع الدولي، وكيف ينظـر العالم إلى تلك الخـلافات. بدون ذلك سـتضيع كثير من الفرص والزمن وسـتدفع الأجيال الشابة دمـهـا ومســتقبلها من أجل أوهـام. . أو طـواحـين هـواء، كما فعل دونكيشــوت بطل روايــة الكاتب الإســباني ســرفانتس الذي يحـتفـل العـالم بمرور 400 عام على وفاته سـنة 1616.

د. محمد محمد المـفــتي

 

شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




0 تعليق