555555555555555

خالد الهوني: زردة ليبيـة

ليبيا المستقبل 0 تعليق 97 ارسل لصديق نسخة للطباعة

زردة ليبيـة
 

تبدأ الزرده عادة  في جلسة كساد، بمقترح من واحد من  الشله (في طرابلس) أوالكبانيه (مرادف التسمية في شرق ليبيا) أوالجماعة (في الجنوب)، وبعد نقاش وجدال طويل، عن من بيمشي وأمتى الموعد والمكان وكم التكاليف، يتم الاتفاق على الامر وبدون كافة التفاصيل، والتي سيتم الخلاف عليها لاحقاً لعدم وضوح الكلام والإتفاق... الخ.

الشله أوالكبانية الطبيعية، واللي أساسها زمالة  الدراسة أوالجيره أوالعمل، مقسومه بين: واحد وإلا أثنين متاعين جو، وواحد وإلا أثنين شيوخ، زيده واحد ديليكاتي شوي وواحد بعلي بزياده... والباقيين بين البينين (وهم تجسيد للمجتمع الليبي البسيط). عادة يتفقوا أنهم يطلعوا الساعة ثمانيه... بدري أنخلوها التسعه، ولكن ما يصيرش من الطلوع قبل الساعة أحداش وإلا أطناش، وممكن الواحد.

كالعادة يتزبك في التجهيزات أنشط واحد فيهم، بيش يكلم الجماعة كلهم، ويدفع من جيبه لشراء بضاعة الزردة وعوالتها، وعلى أساس بعدين يخلص من الجماعة (بالصياح في الاول... والرجاء في الاخير)... طبعاً حينوض الصبح أول واحد بيش يعبي البضاعه ويبرم على اللي بيمشي معاه ويلمهم هم  وقشيشهم.

بسبب تأخر معظم الجماعة، وبعد خمسين مكالمة موبايل، لشرح الطريق للمكان، للي ودروا الطريق لأنهم أعتقدوا بأنه مكان الزردة الماضية، وضروري يطلع لهم حد بيش يجيبهم، بعد وصولهم للمكان، وبعد عركه على أفضل موقع لنصب الخيمة، في الاول كلها ناشطه في تنزيل البضاعة وترتيب الامور، بعدها يصير الرخي وتنتهي على معظم الجماعه راقدين في الظل، وإلا إيقشلبوا في البضاعة يدوروا على  شن ياكلوا لأن الغداء متأخر، والناشط كالعاده هواللي يحوص هنا وغادي وممكن معاه واحد إيجامل فيه.

كالعادة يحصل الناشط فيهم بيش ييطيب الغدا، ما عدا توليع النار لأنه فيه واحد حركي وحشيشته اللعب بالنارمن هو صغير. بعد الغداء، ممكن يحصلوا غطسه في البحر "كانها زرده صحروايه، وإلا جبليه ما عندكش ما أتدير"، وممكن ياخذوا معظم الوقت في كساد وقرمه وتحليلات مكرره إلى وقت  المُغرب، حينها  يطلع  فيهم عالم يؤكد على ميزات غطسة المغرب، ياخذوا غطستين وبعدين يولوا يجروا، لأن الاميه مصقعه. مع المغرب يختفي الاثنان  متاعين الجو بشويشتهم وإلا سبيسياتهم، وسط تهكم الاخرين خاصة الشيوخ، لكن مره مره ينوض واحد من اللي بين بين، خلسه، يزرقلهم بدون أن يفطن له الاخرين، ربما بحجة أن هدرزتهم راكحه وجو "ريلاكس".

مع تأخر الوقت، كلها تبي ترقد، ويبدأ الشخير على مفاصله وينتج عنه هروب البعض من الخيمة إلا للي متعود على ذلك في بيته، واللي دايخ من السكرة، لكن لابد من النوضه مع الشتائم لما يعفس عليه واحد من المتدهشرين وهوماشي لقضاء حاجته بره الخيمه. مع الفجر، ينوض الشيوخ للآذان بأعلى صوتهم، والجماعه اللي يسب ويكفر "في سره" خاصه اللي كيف جاه النوم بعد سهرة القرمة الطويله، واللي متحشم وساكت، والناشط كعادته نايض بكري وحاط برَّاد الشاهي على باقي جمرات نار أمس، ومجهز الفطور اللي فيه من الزمِّيته إلى البريوش بالتُّن (على شان خاطر الديليكاتي) لأن المربى بالتأكيد نسيوها، حسب كلام المحشرف "اللي لحسها كلها  في جوعته أمس قبل الغداء"، بينما يؤكد الناشط أنه شراها وأنها  كانت الصبح في البورزه "الشكاره"  لمّا نزَّل البضاعة.

معظم النهار يمشي في نقاش، يشارك في الجميع  ولوبالإستماع، "خليك من اللي شاد تركينه وحاط موبايله على وذنه طول  الوقت" وعادة ما يكون النقاش في ثلاثة مواضيع: إما عن السياسة من مع من، ومن ضد من، أوعن الدين والاسلام والعلمانية، وإلا على الكوره وأما أحسن الريال وإلا البرشا، ويعلى الصوت ويحتد النقاش، اللي ينتج عنه أن واحد فاهم كل شي والاخر موش فاهم حاجه، أوواحد كافر والثاني داعشي... لين يختموها بـ"صلّي على النبي" وبغطسة أخرى في البحر لتهدئة النفوس والاجساد وتبريدها.

مع العشيه، يصير فيها لمَّان البضاعة بسرعة، ويسلموا على بعضهم وكل حد يقول للآخر سامحني كان زعلتك أمس والله مش قصدي، وتمشي كلها في ضحكة ولعبة. مع المغرب كل حد يوصل  لبيته، ومن غدويتها يتلاقوا في القهوة أومكان العمل، ليهدرزوا على زردة أمس ويضحكوا على مواقفها، ويضموا ذكرياتها  إلى أرشيف زراديهم الحلوة وجلساتهم الجميلة،  حتى الزعلان لأنه فاتوه أونسيوه ولم يتم تبليغه، رضي بكلمتين ووعد بعزومته أول واحد في الزرده الجايه، فهم وإن إختلفوا ناس وحده وأهل وأحباب وأصحاب وما يرضوش في بعضهم.

هذه هي طباعنا وشمائلنا، وما نتميز به عن الكثيرين من غيرنا، والتي يجب أن تعود لنا وأن  نعود إليها  كما كُنَّا: ما فيش فرق بين أصل هذا أوذاك، أومقدار غنى هذا عن الاخر، أوإذا كان واحد مدير كبير والثاني موظف صغير... لما لا  نعود كما كنّا سابقاً، وكما عُرِفنا به عند غيرنا، وليكن شعارنا: تَدَيُّن بلا غلو، حرية بلا إبتذال، عزة نفس بلا غرور، إختلاف بلا عدائية، طيبة بلا سذاجة، وشدة بلا عنف، وفي النهاية تبقى  القلوب صافيه وعامرة بالمحبة اليوم وبكرة وبعد بكره.

خالد محمد بشير الهوني

 

شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




0 تعليق