555555555555555

شُكْري السنكي: سُليْمان منينة يتحدث عَن سيّد مكاوي

ليبيا المستقبل 0 تعليق 108 ارسل لصديق نسخة للطباعة

حكايات مِن الزمن الجميل  

سُليْمان منينة يتحدث عَن سيّد مكاوي.. المسحراتي صاحب (الليلة الكبيرة)
 


بقلم: شُكْري السنكي

وصل سُليْمان منينة إِلى القاهرة للدّراسة فِي الجامعة الأمريكيّة فِي صيف 1966م، وبدأ فِي دراسته فِي سبتمبر/ أيّلول 1966م. كانت مصاريف الدّراسة للسيمستر الواحد (Semester) يساوي (56) ستة وخمسين جنيهاً مصريّاً أيَّ (112) مائة واثنتي عشر جنيهاً فِي السنة وقد كان سعر صرف الدّولار فِي مِصْر حينئذ يساوي (40) أربعين قرشاً ويصل إِلى (80) ثمانين قرشاً فِي السوق السوداء، إمّا فِي ليبَيا فكان الدولار يعادل (30) ثلاثين قرشاً ليبيّاَ. تعرف سُليْمان على الشّاعر الكبير أحمَد رأمي – رحمه الله – يوم 20 أكتوبر/ تشرين الأوَّل 1966م وتولدت بينهما صداقة ومودة كبيرة حيث كان رامي يعامله كأحد أبنائه تماماً، وقد تعرف عَن طريقه أو مِن خلاله على كثيرين مِن علية القوم فِي مِصْر: الشّاعر الكبير صَالح جودت والفنّان المُوسيقار سيّد مكاوي والموسيقار المُبدع  محَمّد الموجي والفنّانة الممثلة زينب صدقي وعازف الكمان المعروف أحمَد الحفناوي ومدير الأوبرا شكري راغب وعازف القانون الأسطورة محَمّد عبده صَالح، كمَا جمعته مجالس مع كثيرين مِن المشاهير منهم: الأستاذ توفيق الحكيم والفنّان يُوسف وهبي.. كل هذا وسُليْمان طالب ولم يتجاوز عمره (22) اثنين وعشرين عاماً. كان سُليْمان حريصاً على تنظيم وقته بين الدّراسة والاستمتاع بالحيَاة، يذهب إِلى الجامعة فِي الفترة الصباحيّة فيحضر كلِّ محاضراته، وبعْد الظهر يدرس دروسه فِي البيت ويقوم بواجباته ثمّ يجهز نفسه لليوم التالي، وَفِى المساء يكون حراً طليقاً.. يتنزّه ويتفسح ويتسوّق  ويزور مجالس الأصدقاء كذلك يجلس فِي المقاهي ويدخل السينما والمسارح.  

صُّوَرَة:تجمع سُليْمان منينة مع سيّد مكاوي فِي بيت
مكاوي – رحمه الله – فِي القاهرة سنة1991م.

كان سفير ليبَيا فِي سنوات وجوده فِي مِصْر، الدّبلوماسي القدير المرحوم عبْدالسّلام بسيكري (1902م – أكتوبر/ تشرين الأوَّل 1970م) الّذِي تربطه به علاقة عائليّة (ابن عمته)، وكان – رحمه الله – يدعوه إِلى جميع حفلاته واستقبالاته ومآدبه حيث إنّه لم يرزق بولد، وكان سُليْمان يقوم بمقام ابنه وَمِن خلاله أيْضاً حضر مجالس جمعت العديد مِن الساسة والأدباء والمشاهير. كان سعادة السفير وأحمَد رامي وصَالح جودت، الثلاثي الّذِي اهتم بدراسة سُليْمان ومتابعة نتائجه الدّراسيّة، وكان هُو مهتماً بدراسته وحريصاً ألا تتزعزع ثقة هؤلاء فيه ولو للحظة واحدة، كمَا كان مستمتعاً بحياته وقد حضر سهرات وأمسيات ومجالس لا تنسى وغاية فِي المتعة والاستفادة، ولازال يتذكرها ويعتبرها المخزون الأهمّ مِن ذاكرته وذكرياته، ويقول أن الحديث عنها لازال يخرجه – وإِلى يومنا هذا – مِن هُمُوم واقعنا البائس وخيبات الأمل الّتي تحاصرنا مِن كلِّ مكان. 

مضى الآن حوالي نصف قرن على تلك الجلسات والحوادث، وقد انتقل أبطال هذه الحكايات إِلى رحمة الله ودخل سُليْمان فِي مرحلة الشيخوخة. يقول سليْمان:..".. الحمد لله كثيراً على مَا حباني به مِن معارف وصداقات ومَا منَّ به عليّ مِن نعم كثيرة، واتذرع إِلى المولي عز وجل بالدعاء بأن يمنَّ على تلك الشخصيّات الرَّائعة بالمغفرة والرحمة وأترحم على أولئك الأشخاص الّذِين كانوا ورائي لتحقيق الهدف الرئيسي مِن إقامتي فِي القاهرة ألا وهُو الدّراسة، وأولئك الّذِين فتحوا أمامي أبواب أخرى للمعرفة والتعلم والخبرة فِي الحيَاة..".

أخيراً، أتناول فِي هذه المقالة شخصيّة تعرف سُليْمان منينة عليها وربطتهما علاقة صداقة وودّ صافي لسنوات طويلة.. شخصيّة عُرفت ألحانها بالسهل الممتنع، ويحسب لها أنها ..".. طورت الألحان الشعبيّة وجعلتها بنظرتها الثقافيّة لجميع الطبقات وأيْضاً الأذان"، وهذا مَا أكده وجيه ندى المُؤرخ و الباحث فِي التراث الفني. إنّه سيّد مكاوي (1927م – 21 أبريل/ نيسان 1997م) المطرب والمُلحن وصاحب المدرسة الفنيّة الكبيرة.. صاحب عشرات الألحان لكبار المطربين والمطربات المصريين والعرب.. والّذِي غنّى: الأرض بتتكلم عربي.. أسماء الله الحسنى.. اصحى يا نايم.. يا حلاوة الدنيا.. حلوين من يومنا.. حبيبي يسعد أوقاته.. حبيبي اللي بحبه.. وغير ذلك كثير. صاحب أوبريت (الليلة الكبيرة) الّتي كتبها صلاح جاهين، وصاحب لحن (يا مسهرني) الّذِي تغنت به أم كلثوم سنة 1972م، والكلمات كانت لشاعر الشباب العبقري أحمَد رامي. ويذكر أن كوكب الشّرق السيدة أم كلثوم كانت قد قدمت سيّد مكاوي للجمهور ليلة أن غنت (يا مسهرني) للمرَّة الثانية على مسرح سينما: (قصر النيل) يوم 4 مايو/ أيّار 1972م، وهذه لفتة غير مسبوقة لأم كلثوم حيث لم يسبق لها أن قدمت ملحناً للجمهور.   

انطلقت شهرة سيّد مكاوي الواسعة مع بعض الألحان الّتي قدمها لبعض الفنّانين، فكثير مِن النقاد يرون أن شهرته الحقيقيّة بدأت، مِن خلال لحن أغنيّة: (مبروك عليك يا معجباني يا غالي) للفنّانة شريفة فاضل، ثمّ لحن أغنيّة: (إسأل مرة عليّا) للفنّان محَمّد عبدالمطلب، كذلك أغنيّة: (أنا هنا يا ابن الحلال) للفنّانة صباح الّتي غنتها لأوَّل مرَّة فِي فيلم: (العتبة الخضراء) الّذِي تمّ انتاجه سنة 1959م.

وَخِتامّاً، ليس الهدف من هذه المقالة ذكر كلِّ شيء عَن سيّد مكاوي أو الإحاطة الكاملة بشخصه وأعماله، فلا هذا مَا قصده سُليْمان منينة ولا الّذِي قصدته أنا، إنّما القصد التذكير به وبقامات أثرت حياتنا الثقافيّة والفنيّة، لتكون منارة للأجيال القادمة، وعرض بعض الحكايات والمواقف والجوانب الإنسانيّة والطرائف الّتي رواها سُليْمان وعرفها عنه والّتي رُبّما لم تتح لغيره معرفتها. 

سيّد مكاوي.. مَنْ هُو؟ 

هُو العبقرية الخالدة فِي عالم الموسيقى.. سيّد مكاوي الّذِي حُرم مِن نعمة البصر، ولكنه وهب نعمه البصيرة. حفظ القرآن الكريم، وتعلم فنّ الإنشاد الديني، ثمّ أتجه إِلى الموسيقى فتعلمها – بإتقان باهر – دون أن يدخل معهد موسيقى. حفظ الأدوار والموشحات ومَا لا يتصوره عقل مِن ألحان وأشعار. حفظ أمهات القصائد الّتي جادت بها قريحة فحول الشعراء العرب كذلك كلِّ مَا قيل فِي مِصْر مِن أدوار وموشحات مِن بداية القرن العشرين، خاصّة للفنّان سيّد درويش الّذِى يعتبر أبو التجديد فِي الموسيقى العربيّة.. والشّيخ زكريا أحمَد، خير مَنْ حافظ على الطابع الشرقي فِي موسيقاه.. وآخرون مثل: محَمّد القصبجي وداود حسني. 

هُو امتداد للرَّاحل العظيم سيّد درويش.. وأحد عمالقة الموسيقى العربيّة وهرم مِن اهراماتها، ألحانه مِن نوع السهل الممتنع أو كمَا أصفها بأن مكاوي رسم خفة ظلّه على أوتاره الموسيقيّة فأصبحت ألحانه راسخة أو عالقة فِي الأذهان على مرَّ الأيّام والسنين. وحينما التقى مع الشّاعر صلاح جاهين صديقه ورفيق دربه، قدما معاً أنجح ثنائي فنيّ، وكان عملهما: (أوبريت الليلة الكبيرة)، مِن أنجح الأعمال ويُعد هذا العمل الأشهر فِي تاريخ الفنّ المصري والعربي. وتوّج سيّد مكاوي تألقه بعدما غنّت له كوكب الشّرق أم كلثوم: (يا مسهرني)، والّتي كانت ستغني له أيْضاً (أوقاتي بتحلو) ولكنها رحلت فغنتها وردة الجزائريّة. قال عنه وجيه ندى المُؤرخ والباحث فِي التراث الفني:..".. موسيقار ومطرب استمد ثقافته الفنيّة مِن التراث الموسيقي العربي والأوبرالي.. ألحانه راقيّة وعذبة، لا يوجد فيها تلك الضوضاء، وليست مِن الألحان الصعبة والضخمة، بل السهلة والسلسة سهولة أغاني الأطفال.. وأعتقد أن هُنا تكمن واحدة مِن عبقرياته.. الألحان السهلة أحس أنها أصعب، وأقرب إِلى القلب. وأغلب ألحانه مِن مقامات شرقيّة بحتة مثل الراست والسيكا الّتي كان يكثر منها ولذلك صبغت ألحانه بصبغة شرقيّة أصيلة. أثري المكتبة الموسيقيّة بالألحان لكبار المطربين والمـطربات المصريين والعـرب. واختير عضواً فِي لجنة الاستماع بالإذاعة المصريّة..". 

وَأخِيْراً، وضع سيّد مكاوي المقدمة الموسيقيّة للعديد مِن المسلسلات الإذاعيّة، وكانت هُناك محطتان هامتان فِي أعماله الإذاعيّة، الأولى مع أشعار صلاح جاهين (1930م – 21 أبريل/ نيسان 1986م)، والثانيّة مع الدّيوان الكامل للشّاعر فؤاد حداد (1928م – 1 نوفمبر/ تشرين الثّاني 1985م). وجاء عَن هاتين المحطتين فِي الموسوعة الحرَّة (ويكيبيديا) مَا يلي:..".. يجدر التوقف عند تلك المحطتين الهامتين فِي حياته نظراً للأهميّة الشديدة لهما وكان يجب أن يدرسوا فِي المعاهد الموسيقيّة لاحتوائهما على الكثير مِن بديع موسيقانا الشرقيّة. الأولى: (الرباعيات) الّتي قدمها فِي برنامج في حلقات يوميّة مِن خلال إذاعة: (صوت العرب) فِي نهاية الستينات، شعر صلاح جاهين، وإخراج أنور عبد العزيز، وقد حققت شهرةً واسعةً وشيوعاً كبيراً ممّا حدا بالمطرب علي الحجار إِلى استئذان سيّد مكاوي فِي إعادة تقديمها وقد وافق سيّد مكاوي وتمّ إعادة تسجيلها بصوت علي الحجار. المحطّة الثانيّة: برنامج مِن ثلاثين حلقة: (نور الخيال وصنع الأجيال)، قدمه مِن خلال: (إذاعة البرنامج العام)، فِي شهر رمضان العام 1968م، شعر فؤاد حداد، وإخراج فتح الله الصفتي. وصف الشّاعر القاهرة العظيمة ومَا مر بها مِن أحداث عبر التاريخ، وقام سيّد مكاوي بتلحين الأشعار وقدمها فِي شكل الشّاعر الراوي وقدم خلال الثلاثين حلقة العديد مِن الأصوات الجديدة والمواهب الشابة آنذاك والّتي شاركته فِي الغناء. كانت لهذا البرنامج المقدمة الغنائيّة الشهيرة (أوَّل كلامي سلام)، وكانت أغنيّة: (الأرض بتتكلم عربي) مِن أشهر أغاني سيّد فِي هذا البرنامج، ويعتبر هذا العمل عملاً ملحمياً مليء بالتراكيب اللحنيّة الشيقة والمعقدة والمركبة، ومرجعاً هاماً لكافة الملحنين الجدد للاستفادة منة فِي كيفية التسلسل اللحني وحسن النقلات الغنائيّة..".

وختاماً، نال سيّد مكاوي وسام العلوم والفنون مِن الدّرجة الأولي فِي مِصْر.. ووسام صدام للفنون مِن الدرجة الأولي فِي العراق.. ونال فِي بلاده أيْضاً شهادات تقدير مِن جهات فنيّة عديدة كالإذاعة المصريّة، وإذاعة الإسكندريّة، وشهادات خاصّة فِي مناسبات وأعياد مختلفة كعيد الطفل وعيد المسرح. ولّد سيّد مكاوي يوم 8 مايو/ أيّار 1927م، وانتقل إِلى رحمة ربه يوم 21 أبريل/ نيسان 1997م.. كان فنّاناً عبقرياً، ورائعاً بكلِّ المقاييس.. وإنْسَاناً نبيلاً قلما يجود الزمان بمثله. قال سيّد فِي أغنيته: (حبيبي اللي بحبه)..".. أنا أول مره شفته كان راضي زمانّا عنا.. فرد بالحب إيده وأخدنا من مكانّا.. سِبنا الدنيا وما فيها وعملنا لروحنا جنه.. مرت بينا الساعات.. وكلامنا كان سُكات.. تُهنا ونسينا روحنا والوقت علينا فات..". رحم الله سيّد مكاوي بقدر مَا أحبه النَّاس.. وبقدر مَا كان هُو يحبهم.

كيف تعرف سُليْمان على سيّد مكاوي؟ 

تعرف سُليْمان على الشّيخ سيّد مكاوي عَن طريق الشّاعر الرَّائع أحمَد رأمي، وفِي ذات يوم كان سُليْمان فِي بيت الشّاعر الكبير صَالح جودت فإذ برامي يأتي ومعه مكاوي، فتعرفا الاثنين وتولدت بينهما صداقة ومودة كبيرة. التقى به مرَّات عديدة فِي مقاهي القاهرة العامرة وأحياناً فِي بيت صَالح جودت أو بيت أحمَد رامي، وظلا على اتصال وتواصل إِلى أن فارق سيّد مكاوي الحيَاة فِي 21 أبريل/ نيسان 1997م. وحينما زار سيّد مكاوي طرابلس فِي فبراير/ شباط 1971م، وأحيا حفلة غنائيّة هُناك، كان سُليْمان وقتها مقيماً بطرابلس وكان سيّد يمر على سُليمْان يومياً – وطيلة الأيّام الّتي قضاها فِي طرابلس – فِي شقته بل يقضي عنده معظم أوقاته، وقد أخبرني سُليْمان بأن مجيئه لطرابلس تصادف مع بداية استلامه لكلمات أغنيّة: (يا مسهرني) الّتي صاغها أحمَد رأمي، وأنه أيَّ مكاوي قد أنجز كوبليه أو جزء مِن هذا اللحن الجميل فِي بيته، ويُذكر أن هذا العمل استغرق إنجازه أكثر مِن سنة حيث صدر فِي العام 1972م. وَفِي العام 1976م، زار سيّد مكاوي بّنْغازي بدعوة رسميّة وأحيا حفلة غنائيّة كبيرة، وكان سُليْمان بصحبته طيلة أيّام تلك الزيارة، وأقام له سهرات خاصّة تليق بمقامه وقيمته ومكانته، وقد جمعت تلك الجلسات عدداً مِن وجهاء مدينة بّنْغازي والمهتمين بالشّعر والفنّ. أخيراً، أصبح سُليْمان صديقاً لمكاوي منذ أن التقاه فِي بيت صَالح جودت، يزور مكاوي فِي بيته أو يتصل به تلفونياً لاطمئنان عليه، حتَّى غدت زوجته وبناته ينظرون إليه كجزء مِن عائلتهم. رحم الله الشّيخ المُوسيقار سيّد مكاوي الّذِي أحبّ كلِّ النَّاس وكان كريماً مع كلِّ مَنْ عرفه.. واللّهُمَّ أجعل مَا أنجزه مِن تواشيح وأعمال فنيّة دينيّة وأهمها: (أسماء الله الحسنى) فِي ميزان حسناته، وأجعل الجنة مستقره ومثواه.

سُليْمان يروي ذكرياته مع سيّد مكاوي

سُليْمان منينة يعود إِلى ذكريات وحكايات لأشخاص مِن الزمن الجميل.. يروي مَا عرفه وأشياء أخرى لم يسبق ذكرها مِن قبل أو لم تقل على النحو الذي ذكره. نعيد نشر حكاياته عَن سيّد مكاوي كمَا رواها هُو بنفسه والّذِي أكد مراراً إنّه لن يستطيع – ومهما كتب – أن يُوفيه حقه، صاحب الموهبة الفريدة مِن نوعها، والكريم الودود المحبّ لكلِّ النَّاس، والشخصيّة صاحبة الذّكاء الخارق والذّاكرة الحديديّة الّتي تحفظ كلِّ تلك الأعمال كلاماً ولحناً.. والّذِي حفظ القرآن الكريم، وحفظ تقريباً كلِّ مَا قيل فِي مِصْر مِن أدوار وموشحات مِن بداية القرن العشرين، والّذِي كان يكفيه أن يستمع مرَّة واحدة لشيء يحبه فيحفظه.

الحكاية الأولى

ليلة لا تنسى.. ذكريات كثيرة جمعتني بالمُوسيقار الشّيخ سيّد مكاوي.. وَمِن الذّكريات الّتي لا تفارق خيالي سهرة قضيتها فِي منزله – رحمه الله – يوم 12 مايو/ أيّار 1973م بمناسبة ولادة ابنته الثانيّة أميرة. كان مكاوي مِن أعز أصدقائي وقد ربطتني به وبأسرته علاقة حميمة، وإذا أردت أن أكتب عنه فأن ذلك سيستغرق الكثير مِن الوقت والورق، فهُو أمّة كاملة مِن الموهبة، والذّكاء، والتواضع، والود، والكرم، وخفة الظل الّتي لا يمكن وصفها. والمُهم، أصر عليّ الشّيخ سيّد تأجيل سفري إِلى ليبَيا وذلك لحضور الحفل الّذِي سيقيمه فِي بيته بمناسبة قدوم أميرة، وقال ليّ:.".. يا سُليْمان سترى شيئاً لم تراه فِي حياتك مِن قبل.. وستكون سهرة العمر..". أجلت سفري كمَا طلب مني الشّيخ، وجئت إِلى بيته يوم الحفل بصحبة الشّاعر الكبير صَالح جودت – رحمه الله – وقد أعتذر الأستاذ أحمَد رامي عَن عدم الحضور لمرضه.. وبدأ الضيوف فِي الوصول وكان مِن أبرزهم أربعة مكفوفين هم: الشّيخ محَمّد الفيومي القارئ والمنشد المشهور، وكان فِي الثمانينات مِن عمره ولا أسنان له، وبالرَّغم مِن ذلك – وعند غنائه – كانت مخارج الحروف عنده صحيحة وسليمة، كمَا كان خفيف الظلّ، ولاذع التعليق، وابن نكتة كمَا يقولون، وطريقة إلقائه للنكت كانت جميلةً ومختلفةً، وقد أضاف وجوده للمكان بهجةَ وسروراً.. والثّاني، هُو المُوسيقار مرسى الحريري وزوجته إحسان وهى إيْضاً كفيفة وعازفة رق ممتازة.. والرَّابع، هُو الشّيخ حنفي أحد أفراد بطانة الشّيخ الفيومي، وطبعاً المكفوف الأكبر كان الشّيخ سيّد مكاوي الّذِي لا أحد يضاهيه فِي خفة الدّمّ وسرعة بديهته. وبِالإضافةِ إِلى الخمسة مكفوفين، حضر كلِّ مِن: المُوسيقار عبْدالعظيم عبدالحق والفنّانة سعاد محَمّد والمطرب فهد بلان والفنّان صفوان بهلوان والكوميديان أمين الهنيدي ومجموعة مِن خيرة العازفين منهم: سيّد سَالم عازف الناي فِي فرقة أم كلثوم، والأخوين أمين وسعيد فهمى وهما هاويان أحدهما يعزف قانون والثّاني كمان وكلاهما له موهبة وقدرة فائقة.

كانت السهرة جميلة جدَّاً، وليلة مِن ليالي العمر، ومليئة بالطرب والعزف والضحك وقد غنى فيها جميع مَنْ ذكرت مِن المطربين.. وأبرزها (الليالي) بين الشّيخ محَمّد الفيومي ومرسى الحريري، والإنشاد الديني للشّيخ الفيومي ثمّ غنائه لعبْدالوهاب ثمّ بعض الأغاني الهزلية منها: (لابس جبة وقفطان..وعامللى بتاع نسوان) وسط زغاريد والدة الشّيخ سيّد.. كذلك غنّت الفنّانة القديرة سعاد محَمّد بإبداع وإحساسٍ عالي جدًاَ. كانت مفاجأة تلك الليلة غناء السيدة إحسان زوجة الفنّان مرسى الحريري بمصاحبة ناي سيّد سَالم وعود زوجها وعزفها هي على الرق. وكانت خاتمة تلك الليلة الرَّائعة، مَا يسمونه فِي مِصْر بـ(القافية) وهى قفشات أو تعليقات متبادلة بين أثنين أو أكثر مِن الحاضرين وكان المبارزة على أشدها بين سيّد سَالم والشّيخ حنفي بينما غرق الحاضرون فِي الانبساط والضحك. استمرت تلك السهرة إِلى ساعات الصباح الأولى، ولازلت أحتفظ بتسجيل كامل لها، وقد كانت فعلاً شيئاً نادر حدوثه كمَا قال الشيخ سيّد: "حتشوف حاجة عمرك مَا شفتها !!!". رحمهم الله جميعاً..

الحكاية الثّانيّة 

لقد أسعدني الحظ بمعرفة الشّيخ سيّد مكاوي وتولدت بيننا صداقة ومودة أخويّة حميمة.. وقد سبق ليّ أن كتبت عنه فِي صفحتي فِي الفيسبوك عدة مرَّات، لكنني أعود فأقول إنّني مهما كتبت عنه فلن استطيع أن أوفيه حقه، احببته كفنّان وصاحب مدرسة فنيّة وبعدما عرفته وتولدت بيننا صداقة حميمة وجدت فيه خصال نادرة حميدة قلّما تجدها عند غيره. يلاحظ مَنْ عرف سيّد مكاوي، صفة تختلف عَن بقية الموسيقيين.. فهُو لا ينفرد بأداء أعماله الخاصّة فقط كمَا يفعل الاخرون.. ولكنه فِي كلِّ جلسة تجده يؤدي أعمال مَنْ يعتبرهم أساتذته ورواده، ومِن أهمّ هؤلاء: سيّد درويش وزكريا أحمَد. ويعجب كلِّ مَنْ عرفه، ممّا يسمعه منه مِن حفظ لأعمال عظيمة وكثيرة كلاماً ولحناً، وهُو الكفيف الّذِى حرم نعمة البصر والقراءة.. أحد الغرائب الّتي أذكرها، يوم أن سألته عَن قصيدة (زهر الربيع) الّتي غنتها أم كلثوم سنة 1945م وهي مِن كلمات محَمّد الأسمر وألحان الشّيخ زكريا أحمَد، وقدمتها بمناسبة الاحتفال بتوقيع ميثاق الجامعة العربيّة.. لم يرد سيّد مكاوي على سؤالي إنّما أخذ العود وسجلها ليّ كاملة.. والعجيب أن هذه القصيدة – ووقتما سألته – لا يكاد يوجد لها تسجيل وأن أم كلثوم أدتها مرَّة واحدة فقط !!.

وَمِن خلال استماعي لتسجيلات مر عليها أكثر مِن أربعين عاماً، لسهرات وجلسات خاصّة كانت ليّ مع هذا الفنّان العظيم ولازلت أحافظ عليها ولا أفرط فِي شيء منها. وجدت مَا قد يعتبره المهتمون بأمور الموسيقى العربيّة كنزاً عظيماَ.. حيث إنّه قد خصّني – رحمه الله – بتسجيل مجموعه من الأدوار الخالدة على العود، منها دور: (أنا هويت)، ودور: (أنا عشقت)، ودور: (ضيعت مستقبل حياتي)، والأدوار الثلاثة للفنّان الخالد سيّد درويش (1892م – 10 سبتمبر/ أيّلول 1923م) المجدد الموسيقى وباعث النهضة الموسيقيّة فِي مِصْر والوطن العربي رغم عمره القصير إذ إنّه لم يعش إلاّ واحد وثلاثين عاماً.. ثم أدوار: (ياللي تشكى م الهوى)، (مسير عقلك)، (إمتى الهوى)، (الفؤاد ليله نهاره)، لشيخ الملحنين زكريا أحمَد (1896م – 14 فبراير/ شبّاط 1961م).. ثمّ دور: (كل ما يزداد رضى قلبك عليا) للمغني والمُوسيقار داود حسني (1870م – 10 ديسمبر/ كانون الأوَّل 1937م).. بِالإضافةِ إِلى أعمال اخرى كثيرة لسيّد درويش وزكريا أحمَد إِلى جانب أعماله الخاصّة الرّائعة ومنها مَا قد لا يعرفه الكثيرون. وللأسف الشديد بعض مِن أبناء الجيل الحالي لا يهتم بماضيه ولا يعلم أنه دون ماضي لا تصنع حاضراً ويتعذر عليك النفاذ إِلى المُسْتقبل.. ويعتبرون اقتناء مثل هذه الأشياء، تخزين واحتفاظ بأشياء تجاوزها الزمن بل يعتبرون الحديث عَن هذا الزمن نوع مِن التخريف.. ولكنني أؤمن بأن مَنْ ليس له ماضي ليس له حاضر ولا مُسْتقبل، واعتز برأي أصدقائي وعدد مِن المهتمين الّذِين يقدرون تراثنا الجميل وتاريخنا العظيم، ويعتبرون مَا امتلكه مِن حكايات ومَا أَقتَنِيه مِن تسجيلات نادرة  كنز ثمين، ثمنه لا يقدر بمال.

الحكاية الثالثة

المُوسيقار والشّيخ سيّد مكاوي.. متعدد المواهب، وقيمة وقامة فنيّة كبيرة جدَّاً.. أمّة بحالها.. شخصيّة رائعة منَّ الله عليّ بالتعرف عليها ومعرفتها عَن قرب. ومنذ أن ألتقه لأوَّل مرَّة فِي بيت صَالح جودت، لم ينقطع تواصلي معه إِلى أن فارق الحيَاة بعْد صراع مع مرض الربو الّذِي أثر على صوته وجهاز التنّفس عنده، وتوفى يوم 21 أبريل/ نيسان 1997م وقد كنت طيلة فترة مرضه على اتصال دائم به. وَفِي أوَّل زيارة ليّ للقاهرة بعْد وفاته، زرت أسرته وتأثرت كثيراً للفراغ الّذِى تركه لهم بل لأصدقائه والأسرة الفنيّة فِي مصْر والوطن العربي، واستمرت علاقتي بأسرته مِن بعده. جاء مكاوي إِلى طرابلس فِي فبراير/ شباط 1971م وكنت مقيماً وقتئذ بطرابلس، وأحيا لنا حفلة خاصّة فِي بيتي مع بعض الاصدقاء، ثمّ جاء إِلى بّنْغازي فِي سنة 1976م أيْضاً، وأحيا لنا سهرة خاصّة وأستمع إِلى بعض الألحان الِلّيبيّة مِن صديقنا عازف الأكورديون المٌبدع الرَّاحل سُليْمان بن زبلح ( 1933م – 18 نوفمبر/ تسرين الثاني 2013م) وأعجب بها كثيراً.

يحتار الإنْسَان فِي وصف سيّد مكاوي.. هُو تماماً كمَا قلت أمّة بحالها.. ذكاء خارق.. موهبة عظيمة.. وصل إِلى مَا وصل إليه مِن شهرة دون أن يدخل مدرسة أو معهد.. حفظ القرآن وهُو طفل صغير بعْد أن فقد بصره وهُو فِي حوالى الرَّابعة مِن عمره، وعمل كمنشد ثمّ شق طريقه بموهبته وتعلم الموسيقى وبدأ التلحين ودخل عالم الإذاعة ولحن مئات الألحان للمطربين والإعلانات والمسلسلات.. وصل إِلى أعلى الهرم حينما لحن لسيدة الغناء أم كلثوم. أحبّ كلِّ النَّاس فأحبه الجميع دون استثناء.. وكان حبه الأكبر لسيّد درويش وزكريا أحمَد فكان يعتبر درويش قمة عاليّة مِن قمم الموسيقى العربيّة ويتفق تماماً مع مَنْ يضعون تراثه مع كنوز التراث العربي كالموشحات والقصائد والأدبيات الكبرى مثل: ألف ليلة وليلة، وكليلة ودمنة، والبخلاء، ورحلات ابن بطوطة،  وكتب الفارابي وابن سينا والخوارزمي وابن خلدون وغير ذلك مِن الأعمال الخالدة مِن تراثنا.. ويعتبر زكريا أحمَد أحد صناع التراث الموسيقى وواحد مِن أهمّ عمالقة الموسيقى العربية، وشيخ الملحنين المصريين فِي العصر الحديث. وكان سيّد مكاوي يغني فِي سهراته ولياليه لدرويش وزكريا أكثر ممّا يغنى لنفسه مِن أغاني وألحان.  

وفِي جانب ثانٍ، كان مكاوي معروفاً بروحه المرحة وسرعة بديهته، وطالما أنت معه لا يكف عَن المداعبة والنكت والضحكة مِن القلب.. وقد ترجم ذلك فِي بعض ألحانه، لدرجة إنّه لحن مَا يعرف فِي مِصْر بـ(القافية). وكان كريماً وأقترن اسمه بين أصدقائه بالجود والكرم والسخاء.. وكان يوزع أحياناً مَا يحصل عليه مِن أجر على الموسيقيين والعاملين في الاستوديو.. ورُبّما يكون ذلك أيْضاً ذكاء منه لكى يساعدوه فيما لا يستطيع هُو اداؤه نظراً لأنه كفيف. وكان صاحب ذكاء خارق أو مَا يسميه هُو إحساس مِن عند الله، ولن أنسى إنّه خلال زيارة ليّ مع أسرتي للقاهرة، وكنا مدعوين عنده للعشاء.. استقبلنا هُو وزوجته السيدة زينات وابنتيه إيناس وأميرة. كانت أوَّل مرَّة يقابل أسرتي.. ومَا أن سلموا عليه وعند سلام أحدى بناتي عليه قال ليّ: يا سُليْمان بنتك دي أكثر وحدة شبهك فِي أولادك.. صعقت أنا لهذه الملاحظة، وقلت له: كيف عرفت !؟. قال على الفور، وببساطة شديدة: "إحساس مِن عند الله". 

وَأخِيْراً، سجل ليّ سيّد مكاوي الكثير مِن أعماله وَمِن أعمال سيّد درويش وزكريا أحمَد.. وهى مِن الأشياء الّتي أعتز بها ولها ركن خاصّ فِي مكتبتي الموسيقيّة الزاخرة بالأعمال التراثيّة الخالدة  لكبار الفنانين. وأن مَا يدور بخاطري كثير جدَّاَ عَن الشّيخ سيّد مكاوي الأخ العزيز والصديق الودود والفنّان العظيم وقد لا يتسع المقام لذكر كلِّ مَا أريد سرده. ولا أملك فِي الختام إلاّ أن أدعو المولى عز وجل له بالرحمةِ والغفران بقدر المحبة المتبادلة بيننا وبقدر حبه لتراب مِصْر الّذِى غنى له مِن كلِّ وجدانه، وبجاه أسماء الله الحسنى الّتي كانت أحد أجمل أعماله حين أنشدها وبإخراج غايّة فِي الروعة والجمال.

الحكاية الرَّابعة

كان المُوسيقار رياض السنباطي (1906م – 10 سبتمبر/ أيّلول ١٩٨١م) عبقرياً وأحد القمم الموسيقيّة فِي عالمنا العربي على مدى نصف قرن، ولا زالت ألحانه تطرب السامعين وتدغدغ مشاعرهم. عُرف عنه أنه أكثر الملحنين أعمالاً لسيدة الغناء العربي أم كلثوم، وقد أنتج ألحاناً كثيرةً لمطربين غيرها، غير إنَّ ألحانه لأم كلثوم هي الّتي لاقت صدى كبيراً وانتشاراً واسعاً وقد أبديت هذه الملاحظة البارزة لصديقي العزيز المرحوم المُوسيقار سيّد مكاوي، فكان رده الآتي:..".. ألحان السنباطي زي موتور الرولز رويس.. لا يمكن تركيبه على سيارة فيات !!..". لقد أعجبني هذا التشبيه الرَّائع مِن الشّيخ سيّد.. وزاد إعجابي به لأنه أتى مِن إنْسَان كفيف لا يعرف الموتورات ولا أنواع السيارات.. لكن هي قدرة الله وإلهام منه.. وصدق جل وعلا عندما قال: إنها لا تَعْمَى الأبْصَارُ ولكن تَعْمَى القُلُوبُ الّتي فِي الصُّدُور. رحم الله ذلك الجيل مِن القمم الّذِين خلّفوا لنا تراثاً نعتز به على مدى السنين.
 


مِرْفق الصُوَر:

الصُّوَرَة الأولى: تجمع سُليْمان منينة مع سيّد مكاوي فِي بيت مكاوي – رحمه الله – فِي القاهرة سنة1991م.... الصُّوَرَة الثّانِيَة: صُّوَرَةُ نادرة للشّيخ سيّد مكاوي – رحمه الله – فِي أوَّل حياته، جالس فِي المقهى ويشرب ارجيلة، وهُو مازال بالجبة والعمة وبدون نظارة... الصُّوَرَة الثّالِثة: عازف الأكورديون الفنّان الِلّيبيّ الرَّاحل سُليْمان بن زبلح فِي بّنْغازي فِي بداية السبعينات... الصُّوَرَة الرَّابعة: الفنّان سيّد مكاوي فِي حفلة مِن حفلاته.

مصَادِر وَمَرَاجِع: 

1) الأستاذ سليمان منينة - كتابات عَن: (سيّد مكاوي) - صفحة سُليْمان منينة الخاصّة فِي الفيسبوك الموجودة تحت اسم: (Suleiman Mneina).   
2) الأستاذ وجيه ندى – مقالة: (سيّد مكاوي حبيب الملايين) – موقع: (دنيا الوطن) تاريخ النشر 17 مايو/ أيّار 2015م.
3) الموسوعة الحرَّة (ويكيبيديا) – سيّد مكاوي، موقع (ويكيبيديا) فِي شبكة النت الدّوليّة. 

  

شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




0 تعليق