555555555555555

اخبار ليبيا : مابـعــد ســرت؟

ليبيا 218 0 تعليق 7 ألف ارسل لصديق نسخة للطباعة

ما يحدث في ليبيا محيـّـر، حتى لليبيين أنفـسهم، ذلك أن ليبــيا لـهـا منطـقــها الخاص ولآحـداثــها تداعـياتـها الخاصة. ربما كان ذلك بسبب جغرافـيتـها المترامية الأطراف التي تسمح للجيوش والحكومات بل وكل الإدارات والسلطات أن تـنـقـــسم وتـتـكـاثـر. وبشكل موازي، تتكاثـر تصورات وتصريحات ساسة أوروبا بشأن ليبيا وتبقى بيانات اجتماعات القمة غـائمة ومترددة.

والآن يبدو أن السؤال المتكرر " هل نتدخل أم لا " ، قد حُـسـِـم، بوقوف الغرب مع كتائب مصراتة في سـعيها لاجتثاث تواجد مقاتلي الدولة الإسلامية (أو داعش كما هي التسمية الشائعة هنا)  وهو ما وصفه مراسل قناة ال CNN في تقريره من قلب المعركة بأن " قوات أميركية خاصة تعمل الآن على الآرضوهناك طلعاتجويةللمراقبة ، لدعم حرب ليبيا المتزايدة اليأس ضد داعش".

ويبقى الموقف في ليبيا معـقـدا ولا يمكن التنبؤ بنتائجه لأن التحالفات سيالة وسريعة التغير. ولهذا من الأيسر تصور الحرب الحالية على أنها صراع بين معسكرين رئيسـيـيـن متنافسين، هذا إذا استبعدنا داعش وهي خصم لكل من الجانبين. ويمر الخط الفاصل بين هذين المعسكرين ليضـع حكومة الوفاق الوطني التي يرأسها المهندس فايز السراج، في مواجـهـة معسكر الفريق خليفة حفتر. لكن التحالفات على جانبي هذا الخط الفاصل، غير متجانسة ولها دوافـعـها المتعـددة ( شـهوة السـلـطـة والمال، الآيدولوجيا، القبيلة، الجـهـة .. الخ).

وقد حظيت حكومة الوفاق بتأييد متحمس من قبل القوى الكبرى، التي تغـاضت عن اختراقات الوفاق السياسي الذي نسجته البعثة الأممية. بل إن حكومة الوفاق تفتقد للشرعية بمعناها المعروف وفق المعايير الديموقراطية، إذ لم تحصل بعد على ثقـة البرلمــان. كما أن هذه الحكومة لم يكتمل تشكيلها بعد، وما تزال أسيرة قاعدة بحرية بطرابلس، والأغرب أنـها تحت حماية تحالفات هشة لمليشيات ذات صبغة إسلامية في الغالب. ويرشد الحكومة المبعوث الأممي الألماني السيد مارتن كوبلر، لكن قيادتـهـا إلى حـد كبير بيدإســلاميمصراته، المدينة الثرية والقوية الواقعة على بعد 200 كم شــرقي العاصمة طرابلس.

على الضفة الأخرى من خـط الصراع الليبي، استطاع الفريق حفتر أن يبني قوة مقاتلة تحت إسم الجيش الليبي، مدعوما من مجلس النواب في طبرق، وإن كانت العلاقة بين الجيش والمجلس أقرب إلى كونها علاقة تكافلية. وتدعم مصر هذا التحالف بالنظر لمشاكلها مع التيار الإسلامي السياسي ممثلا في الإخوان المسلمين، كما تدعمه روسيا لأسبابها الخاصة. ولشهور شــنّالجيش حرب شوارع مضنية ومدمرة في بنـغـازي ، ضد مقاتلي ما يعرف بمجلس الشورى ، الذي يدعمه إسلاميوا مصراته.

ومؤخرًا لحقتبالجيش انتـكـاســـة تمثلت في قبول أحد قادته وهو العقيد المهدي البرغثي منصب وزير الدفاع في حكومة الوفاق. كما أن آمر حرس المنشاءات النفطية نقل ولاءه إليها. وتم حلّ تشكيلين مسلحين في بنغازي من قبل وزارة الداخلية بحكومة الثني المؤيدة لحفتر. ومع ذلك هناك من يرى أن هذه التطورات لا تخلو من إيجابية لأنها قد تخمد بعض الفوضى وتمهد لسحب السلاح غير القانوني من المدينة، ولهذا حظيت بقبول قطاعات من سكان بنغازي. 

وفي يوم 3 / 5 ، دشن الجنرال حفتر ما وصف بأنه حملة لتحرير سرت التي ظلت في قبضة تنظيم الدولة منذ فبراير 2015. وتم تحريك قوات إلى واحتي مرادة وزلة. وكــَـردة فعل تحركت كتائب مصراته بسرعة نحو سرت، وحققت تقدما ملحوظا ولكن بثمن باهظ من الضحايا. وبالمقابل ابتلع الصمت مبادرة الجيش. وربما يأمل الجنرال أن تنهكمعارك سرت كتائب مصراته وبالتالي تفتح الطريق لتقدم جيشه نحو طرابلس فلن يكون أمامه سوى قوات ضعيفة. 

ويخمن البعض، بأن تحريك حفتر لقواته لم يكن إلا خدعة عسكرية لجر كتائب مصراته إلى أتون حرب منهكة. وحتى لو انتصر المصراتيون، فلربما تغوص أقدامهم في سبخة من العلاقات الاجتماعية المعادية في مجتمع سرت، فأبـرز القـبــائل هناك هي قبيلة الفرجان (قبيلة حفتر) والقذاذفه (قبيلة معمر) وأولاد سليمان سادة فزان منذ قرنين من الزمان، وأخيرا بادية المعدان.

ولابد من التنويه إلى أن تحالف مصراته وحكومة الوفاق هو في جـوهـره تحالف إسلام سياسي معتدل. وصفة معتدل هنا تشـمل حركة الإخوان المسلمين وميليشيات الجماعة الليبية المقاتلة، التي قادها عبد الحكيم بالحاج، والحركتان تعتبران أكثر مرونة واستعدادا للتعاون من وجهة نظر المجتمع الدولي. وقد يستغرب القارئ الغربي أن يسمع أن حكوماته على استعداد لدعم قوات إسلامية الصبغة. لكن بعض المراقبين يرون أن الميليشيات الإسلامية أقـدر على دحر داعش. وكدليل مؤيد لهذا التصور، يشير هـؤلاء المراقبون إلى ما حدث في درنة مؤخرا. وهذه المدينة الواقعة في أقصى الشرق الليبي وذات الإرث الحضري والانفـتـاحي، ظلت لسنوات تعتبر "عشـّـا للإرهاب". ومؤخـرًا نجح مقاتلوا مجلس الشوري الإسلامي بها في إخراج داعش ، وهم اليوم يعملون على عودة الحياة والإدارات في مدينتهم إلى طبيعـتــها تـقـريبا، بما يسـمح بالأمن والاســتقرار واسـتئناف المدارس ، والازدهــار الاقتصادي.  

ورغم كل ذلك، لابد من الإشـارة إلى أن تحوّل ليبيا إلى دولة يحكمها الإسلام السياسي، قد لا يتحقق على المدى البعيد. فإذا وصل الأمر إلى صناديق الانتخاب، فـستكون فرص الإسلاميين ضئيلة، كما حدث في آخر انتخابات برلمانية في ليبيا. والليبيون عموما مسلمون أتقـيـاء ولكنهم ينفـرون من التزمت والتطرف ومن الخلط بين الدين والسياسة، وذلك لاعتبارات ثقافية وتاريخية، لا مجال لتفصيلها هنا.

أمام هذه الخلفية المعـقـدة، يمكننا القول بأن تقدم الأزمـة الليبية نحـو الحل سيكون مشوبا بتعقيدات كثيرة وبمزيد من الفوضى، ما دامت القوى الغربية تصر على المقاربة السياسية الحالية. فالحوارالذيدامقرابةعام،ونظمته واسـتضافـته وأنفقت عليه الأمم المتـحـدة بسخاء، لم يثمر ســوى مـســتند فخم على ورق، لكنه يظل غير قابل للتطبيق. فـما الأســباب يا تـرى؟ لأن كثيرا من المشاركين لم يمثلوا إلا أنفسهم. كما أن الدبلوماسييناختاروا أن يتعاملوا مع سياسيين ونشطاء ليبيين، كثيرهم يـفـتـقــد للـتأثير في مناطقهم، أو أنـهـمقـليلي الكفاءة والخـبــرة، بل وبعضهم أحيانا فاسدي الذمة وقصيري النظر يحركهم الكسب الذاتي على حساب المصلحة العامة. 

على صعيد آخر، جلى أن السيد السراج وحكومة الوفاق التي يقودها، لم يحققوا حتى الآن إلا القليل، باستثناء التأييد الشفوي من قبل العديد من الدول. ورغم تأييد السياسيين الغربيين للحكومة فإنها تظل مكبلة، وقصورها جعلها تفقد مصداقـيتها يوما بعد يوم لأنها فشلت في معالجة مطالب الناس الفورية واليومية وعلى رأسها المسـكن، والخبز والماء والكهرباء والسـيولة النقـديـة.

وللأســف فـإن مـعـظـم اللاعبين على المسرح السياسي الليبي قد تجاهلوا معاناة المواطن العــادي. فعدد النازحين في البلاد مـثـلا قد وصل قرابة النصف مليون أو 15% من السكان، وهو رقم مرعب. ولهذا لابد أن تشمل الأولويات رفع معاناة الناس. وليس لاعتبارات إنسانية فـقـط، بل هو إجراء من شأنه أن يخـفـف الاحـتـقان والتوتر السائدين اللذان يعيقان أي حـوار ذي معنى. وإضافى إلى إعادة ثقة الناس في ما تبقى من دولتهم، ستقود مثل هذه المعالجة إلى سحب أعداد كبيرة من الشباب من "اقتصاد الحرب" إلى حياة طبيعية.

كما أن على الجميع السعى نحو تحقيق وقف لاطلاق النار في بنغازي، المدينة التي تمثل "الباسورد" أي كلمة السر أو كلمة المرور (بمصطلح الكمبيوتر) إلى سيكولوجية المجتمع الليبي. وبنـغـازي بهـذا المـعـنى مدينة كل الليبيين التي ازدهـرت عبر تاريخـهـا بفعل موجـات الوافـدين إليها عبر العـقـود. ولابد لأي حكومة قادمة أن تتحلى بحساسية خاصة نحـو الشرق الليبيالذي كان دائما ذي دور ريادي في الإصلاح الديني بجهود الحركة السنوسية في النصف الثاني من القرن 19، ثم في مقاومة الاستعمار الإيطالي وأخيرا في إسقاط النظام الدكتاتوري قبل خمس سنوات. وما أقصـده هـنا شئ شبيه بنهج الأوستبوليتيك (أو السياسة الشرقية) التي اتبعهاالسياسي الألماني فـيلي براندت عمدة برلين ثم مستشار ألمانيا إلى 1974، إبان الستينات والسبعينيات لرأب الصدع بين ألمانيا الغربية والشرقية، مما مهد إلى اندماجـهـما في 1990.

وأخيرا لابد لأي عملية سياسية جديدة أن تشمل الزعـمــاء ممن هم ذوي حضور فـعــال في مناطقهم، وأن تشمل قادة التشكيلات المسلحة. وهذا ما طالبتُ به مرارا وتكرارا في مقالاتي، ولكن دون استجابة. بالمقابل فـإن النهج المتبع حاليا لم يخرجنا من الأزمة وتـكـرر فـشـله حتى الآن كما هـو واضح.

باختصار، إن ما يسود في ليبيا اليوم هو توازن قائم على السلاح، لكـنـه أيضا تــوازن الضعفاء، بمعنى أنه لا يوجـد طرف قادر على تحقيق النصر بمفرده، ولا أي طرف قادر على هـزيمة منافسيه أو خصومه. ولهذا فإن الدولة تواصل انهيارها، ويبقى الاقتصاد فريسة للمجرمين. وقـد ينتـصـر تحالف مصراته والاسلاميين في حرب سرت الحالية نيابة عن الحكومة الانتقالية، التي لا جيش لها، لكن ذلك سيفتح أيـضـا الباب لصراع أكثر شراسة بينهـا وبين معسكر الجيش الذي يقوده الفريق حـفـتر، بينما سيبقى تهديد داعش قائما. 

ولنا أن نـتـســاءل هـل الحـرب مع داعش "مشـهد جانبي" قابل للاحـتــواء، مقارنة بتيار الهجرة الذي يقض مضاجع أوروبا حـقـا؟ كما قال صديق. ثم إنه من المعروف أن الأزمات قد توظف لغايات متـعـددة ومن هذا المنظور سيكون هناك من يرى تواجـد داعش في قلب الصحراءالليبية مـفـيـدالزعـزعـةأنـظـمـة الدول المجـــاورة مثلا. 

ولهذا كله فان ليبيا بحاجة إلى رؤية جديدة ومقاربة أكثر صدق وواقعـية ، لإنقاذ البلاد من لجة الفوضى، ولتأمين تـخــوم أوروبا الجـنـوبية.

 

هذا المقال مترجم عن النص الانجليزي الذي سينشر في صحيفة الاندبندنت بمالطا.

10  يونيو 2016

شاهد الخبر في المصدر ليبيا 218




0 تعليق