555555555555555

جمال صالح الهنيد: الشربة الليبية والكتاب المسروق و ماجمع بينهما!!!

ليبيا المستقبل 0 تعليق 52 ارسل لصديق نسخة للطباعة

كم من صديق يستعير منك كتاباً، وينسى أن يُعيده، فيمضي الكتاب دون رجعة؟ حدث هذا التصرّف معي مرات عديدة حتى دفعنى إلى تصميم طابع أختم به الصفحة الأولى من مراجعى وكتبي الهامة مكتوب عليه: "هذا الكتاب مسروق من مكتبة جمال الهنيد".
 


من طرائف ما حدث لي في موضوع استعارة الكتب وطباعتي لتلك الجملة، أنه كان لي صديق تعرفتُ عليه خلال سنوات الدراسة في أميركا. فدعاني إلى وليمة في بيته بعد نهاية موسم الحج ودعا إليها، على شرفي، لفيفاً من أصدقائه، وكان من بينهم قاضي. فلما جلسنا في غرفة الضيوف و فيها مكتبته، هالني حجم مكتبته التي غطّت الحائط كله فاستأذنته ـ ونحن في انتظار الغداء ـ بالنظر إلى كتبه فسمح لي. و بينما أنا أجول  بناظري في الكتب، استوقفني كتاب فيها؛ فسحبته من الرف و فتحت غلافه وإذا بي اقرأ الجملة: "هذا الكتاب مسروق من مكتبة جمال الهنيد".

لم تَجْدِ اعتذارات صديقي في أنه جمع كل كتبه على عجالة ودون فحص لها أو تدقيق فيها قبل سفره ثم شحنها إلى السعودية حين غادر أميركا. فقضى القاضى بتنفيذ حد السرقة إلا إن عفوتُ أنا عنه.

رفعتُ الملعقة بيدي، والعيون تنظر، وأدخلت الملعقة في الصحن،فأطبق على المجلس سكون رهيب، حتى تكاد أن تسمع صوت الإبرة إذا سقطت على الأرض، ولا صوت اسمعه ألا صوت أنفاس الحاضرين، ثم حرَّكتُ الملعقة حتى تختلط الشربة، كما يحرّك خبير النبيذ كأسه ليدير السائل في الكأس، ووقفتُ فجأة، والتفت في الخوان، فنظر الجميع إلي، وقلت للمضيف بوجه جاد؟ أين الليمون؟ بحث المضيِّف فلم يجد الليمون على الخوان، فقلت له: إن عدم وجود الليمونة مع الشربة أمر لا يوحي بنتيجة في صالحك، فهرع الرجل جرياً داخل البيت، وعاد بشطري ليمونة، فقرصتُ أحد الشطرين قرصة خفيفة، فسالت قطرتان من عصير الليمون في الصحن، كاد الحاضرون أن يسمعوا صوت ارتطامهما بسطح الشربة بسبب السكون والترقب، وبدأتُ في تحريك الشربة مرة أخرى بحركة بطيئة ورتيبة،. وكل العيون تحدق،  ثم ملأت الملعقة بالشربة، ورفعتها حتى اقتربت من فمي، ثم توقفت، فتعلّقت العيون، فقرّبت الملعقة من أنفي وشممتُ الشربة، وأدرتُ عيناي، ثم نظرت لمضيفي وهو واقف أمامي ينتظر حكمي، وقلت له: الرائحة والنكهة هما كما ينبغي أن تكون الشربة الليبية، فتنهدّ حامداً لله! وقال: هذه أمارة خير!

وضعت الملعقة بين شفتي، وكل العيون تراقبني، واستطعمت الشربة بلساني، وكل العيون شاخصة، والألسن جامدة، ثم وضعت الشربة داخل فمي، ولم ابلعها... بل تذوقتها ممطمطاً شفتي، موزعاً للشربة في كل أنحاء فمي قبل أن أبلعها، والعيون تتبع في ملامح وجهي، تحاول أن تقرأني، فرأوني وقد رفعت حاجبي الأيمن وقطبت الجبين متصنعاً التفكيرفي تقييم طعم هذه الشربة ونكهتها. فلم يطق صاحبي صبراً، فقال: ها!! أيش رأيك؟ فأخذتُ نفساً وسكتُ لحظات، والتفت في وجوه الحاضرين، ثم رفعت بصري لمضيفي الواقف يترقب بلهفة، ثم أدرت وجهي تجاه القاضي الذي كان يراقب الموقف متبسّماً، طوال الوقت وقلت: لا أجد بداً من العفو عن مضيّفي إكرامًا لزوجه الطاهية الماهرة، فقد أبدعت في طبخ الشربة حتى كادت أن تتفوّق فيها على ربّاتها.  كبّر صاحبي ودلف مسرعاً يبشّر زوجته بالعفو.

نزل الضيوف في صحون الشربة غطساً بملاعقهم وأشادوا بلذة طعمها. فقمتُ فجأة من على المائدة، واتجهت إلى المكتبة متفحصاً الكتب!!! فاتجهت الأنظار متسائلة عن وقوفي المفاجئ، فبادرتهم بالرد: أبحث عن كتاب آخر لي، لعلنا ننال من ورائه وجبة ليبية أخرى. فضحك القوم.

جمال صالح الهنيد

 

شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




0 تعليق