555555555555555

مصر بين الحركة المباركة والثورة المجيدة

العربى الجديد 0 تعليق 464 ارسل لصديق نسخة للطباعة
استيقظ المصريون، صباح الثالث والعشرين من يوليو/تموز 1952، أي في مثل هذا الشهر منذ 64 عاماً، على بيانٍ بدأ بكلمةٍ جديدةٍ على الأذن المصرية، هي بني وطني، ثم أعقب ذلك أن مصر اجتازت فترة عصيبة من الرشوة، والفساد، وعدم استقرار الحكم، وأن تلك العوامل أدّت إلى هزيمة الجيش في حرب فلسطين. ثم استطرد البيان، ليعلن أن مجموعةً من الضباط استولت على قيادة الجيش، واعتقلت بعضاً من قياداته، بهدف تطهيره، وأنها ستعمل في ظل الدستور، وطمأنت الأجانب على مصالحهم، وحذّرت من أي أعمالٍ مناهضة لتلك الحركة. وكان البيان بتوقيع اللواء محمد نجيب الذي تم تنصيبه قائداً عاماً للقوات المسلحة. وكان الإيحاء واضحاً، أن ما جرى ليس انقلاباً عسكرياً، فالملك هو الملك، ودستور البلاد محل الاحترام، حتى أنه قد تم الطلب من الملك نفسه، باعتباره صاحب السلطة الشرعية، تعيين رئيس جديد للحكومة من رجال السياسة القدامى، هو علي ماهر باشا.
تداعت الأحداث بسرعة، بعد أن تمت لمجموعة "الضباط الأحرار" الذين قاموا بالحركة السيطرة الكاملة على الجيش، وعلى كل مرافق الدولة، ومؤسساتها، وأطلقوا على حركتهم اسم الحركة المباركة، فلم تمض 72 ساعة على بداية الحركة، حتى تم إجبار الملك فاروق على التنازل عن العرش إلى ولي عهده الطفل، أحمد فؤاد، ومغادرة البلاد مع أسرته إلى منفاه فى إيطاليا، وتم ذلك في إطار مراسم تقليدية، واستمرت الأمور تجري في سياق الحركة المباركة التي تهدف إلى التطهير والإصلاح، قرابة عشرة أشهر، حتى تمكّنت قيادة التنظيم، والتب اتضح أن الجنرال نجيب ليس قائده الفعلي، وإنما القائد الحقيقي المحرّك للأحداث هو البكباشي جمال عبد الناصر. تمكنت تلك القيادة من إحكام سيطرتها على كل مقدّرات البلاد. وعند ذلك، كان لا بد من الكشف عن الوجه الحقيقي للحركة، فتم الإعلان عن تغيير النظام، وسقوط الملكية، وإنهاء حكم أسرة محمد علي الذي استمر قرابة 148 عاماً ( 1805- 1953)، حيث صدر في مساء 18 يونيو/حزيران 1953 إعلان بصوت محمد نجيب شخصياً، بدأه باسم الشعب، أعلن فيه سقوط الملكية وانتهاء حكم أسرة محمد علي، وإعلان الجمهورية، وتعيين اللواء نجيب أول رئيس للجمهورية ورئيساً للوزراء. وتم توقيع البيان من كل أعضاء مجلس القيادة الذي تسمّى مجلس قيادة الثورة، وحمل نجيب لقب قائد ثورة الجيش، وتم تعيين البكباشي جمال عبد الناصر نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً للداخلية. وكان أول قرار جمهوري أصدره الرئيس المعين ترقية الصاغ عبد الحكيم عامر، عضو مجلس القيادة، إلى رتبة اللواء وتعيينه قائداً عاماً للقوات المسلحة. وقد حدث بعد ذلك أن أقال مجلس قيادة الثورة الجنرال نجيب، في نوفمبر/تشرين الثاني 1954، في أعقاب ما عُرفت بأزمة مارس 1954، وصعد نجم عبد الناصر الذي اتضح أنه القائد الحقيقي للتنظيم، وتحولت حركة الجيش رسمياً إلى "ثورة الجيش المجيدة"، وبدأت مصر تحت قيادته مسيرة "أبوية الجيش للدولة" إذا جاز التعبير.
وحدث ما يمكن تسميته التماهي بين الجيش والشأن العام أو الحياة العامة، بكل مستوياتها السياسية والاقتصادية والثقافية، واختلطت الأمور بين ما هو عسكري وما هو مدني. ولم يقطع هذا التماهي سوى هزيمة يونيو/حزيران 1967 المروّعة التي تعرّض لها الجيش، وكانت بمثابة صدمة الإفاقة التي دفعت الجيش إلى العودة إلى حرفيته العسكرية، وإعادة البناء على أسسٍ مهنيةٍ سليمة.
كما كانت الهزيمة أيضا لحظة فارقة بالنسبة لمسيرة "حركة الجيش المباركة، وثورته المجيدة، وقيادتها الخالدة" المتمثلة في البكباشي جمال عبد الناصر الذي وافته المنية في سبتمبر/ أيلول 1970، ومثلت وفاته هزةً عنيفةً للوجدان المصري، فقد مات "الزعيم" والأرض المصرية في سيناء تحت احتلال العدو الإسرائيلي، وحركة الجيش المباركة وثورته المجيدة يُحيط بهما الغموض، ولم تعد هناك شرعية يستند عليها النظام.
تلك كانت الإشكالية الكبرى التي واجهها السادات فور توليه السلطة، وبدلاً من أن يسعى إلى
"يمكن أن نطلق على رياح 25 يناير بحق "الحركة المباركة" للشعب المصري"
بناء نظام سياسي يؤسس لدولة مدنية، ديموقراطية، حديثة، تعود فيها السيادة للشعب، اختار أن يُعيد التجربة من جديد، بأن يصطنع لنفسه ثورته المجيدة، وهو ما قام به، عندما أعلن عن "ثورة التصحيح" التي تخلص فيها من أركان نظام عبد الناصر ممن أسماهم مراكز القوى، في 15 مايو/ أيار 1971، واستمد السادات شرعيته في البداية من تلك الثورة المصطنعة، حتى جاءت حرب أكتوبر 1973، وإنجازها العسكري الرائع، ليتخذها السادات أساساً لشرعية جديدة. وخرج كهنة المعبد من كتبة السلطة، ليشرعنوا حكم السادات ونظامه، فإذا كان عبد الناصر قد حكم مصر بشرعية يوليو، والحركة المباركة التي أصبحت ثورة الجيش المجيدة، فإن السادات يحكم مصر بشرعية أكتوبر، وإنجاز الجيش وانتصاراته. والمعنى واضح أن الجيش هو العامل المشترك، ومحور الارتكاز للدولة، ونظامها السياسي في السلم والحرب.
رحل السادات في حادث المنصة المروّع، في 6 أكتوبر/تشرين الأول 1981، بعد أن رسخ في الأذهان أنه يستمد شرعيته من كونه صاحب قرار أكتوبر، وبطل الحرب والسلام. وبالتالي، كان على من يخلفه أن يبحث لنفسه عن شرعية جديدة.
تلك كانت الإشكالية التي واجهها حسني مبارك عندما تولى السلطة، والمثير أنه ظل يحكم مصر 30 عاماً، وهو يبحث عن تلك الشرعية، تارة بتعظيم دوره في حرب أكتوبر، وتارة بترويج مشروعات عملاقة وهمية، وأخيراً بتسويق فكرة الديمقراطية. وفشلت كل تلك المحاولات لعدم صدقيتها.
وللحق، نجح مبارك في الحفاظ على السلطة والحكم 30 عاماً متواصلة، من دون حركة مباركة، وبلا ثورة مجيدة. ولكن، كان الجيش دائماً في خلفية المشهد.
في ظل تلك الأجواء، داهمت النظام رياح 25 يناير 2011، والتي يمكن أن نطلق عليها بحق "الحركة المباركة" للشعب المصري. وعلى مدى 18 يوماً، تمكنت تلك "الحركة المباركة"، بعد تداعياتٍ كثيرةٍ من تحقيق إنجازها بتخلي مبارك عن الحكم، لكنه سلم السلطة إلى الجيش، ممثلاً في المجلس الأعلى للقوات المسلحة.
وترقّب الشعب الثورة المجيدة. ولكن، لأن الجيش الذي آلت إليه الأمور، لم يكن هو من قام بالحركة المباركة، فإنها تمخضت عن "رئيسٍ منتخب"، هو أيضاً لم يكن مفجّر الحركة المباركة، ولم يكن يملك الأدوات التي تجعله قادراً على سداد الفواتير المطلوبة منه، سواء لمن انتخبوه، أو للقوى الداخلية، والإقليمية، والدولية، المترقبة، والمتربصة، أو ربما لم يكن يرغب في سداد تلك الفواتير، لأسبابٍ تتعلق بالمشروع الذي كان يحمله. وبالتالي، كان لا بد من إيجاد "حركة مباركة، وثورة مجيدة جديدة"، تؤسس لنظام حكم يستعيد زمام الأمور. وفي هذه المرة ، لم يكن هناك تنظيم سري للضباط الأحرار، يستولي على قيادة الجيش ويحرّكها. ولكن، كانت هناك قيادة الجيش تحرّك الأمور مباشرةً، فجاءت "الثورة المجيدة" أولاً في "30 يونيو"، حيث وقف الجيش في خلفية المشهد، للإيحاء بأن ما يجري ليس انقلاباً عسكرياً، لكنه حركة جماهيرية. وبعدها جاءت "حركة الجيش المباركة" في 3 يوليو/تموز 2013، لتطيح الرئيس المنتخب، وتؤسس لنظام قائم على حركةٍ وثورةٍ، والجيش في القلب منها. ويبقى السؤال: إذا كان ما حدث في 25 يناير/كانون الثاني 2011 هو "حركة الشعب المباركة" بحق، فهل يمكن أن تكون لها "ثورة الشعب المجيدة" بحق؟

شاهد الخبر في المصدر العربى الجديد




0 تعليق