555555555555555

نيس وذهنية التحريم

العربى الجديد 0 تعليق 253 ارسل لصديق نسخة للطباعة
جريمة، مجزرة، إرهاب، وغيرها كثير من التوصيفات يمكن أن تطلق على ما شهدته مدينة نيس الفرنسية ليل الخميس الجمعة، وقبلها ما شهدته مدن عديدة، إسطنبول وبغداد، وغيرهما كثير من المدن العربية والغربية. فاجعة نيس جديدة من حيث التفكير والأسلوب والتطبيق، ما يجب أن يدفعنا إلى التفكيرجدياً بكمّ هذا الإجرام المخزون ومن أين يأتي، ووفق أي منطق يتم تطبيقه بحق أناس أبرياء، سواء كانوا يتسوّقون أو يحتفلون أو يتحضرون للسفر. ما هي هذه الذهنية التي تدفع شباناً في مقتبل العمر إلى الإقدام على مثل هذه الجرائم الانتحارية، التي تحصد أرواح عشرات ومئات الأبرياء؟ وأي ثوابٍ هو هذا الذي وعد به ليدفعه إلى مثل هذه الأفعال الشنيعة؟
ستخرج قريباً تحليلات كثيرة خاصة بهذه الحالات، وتحديداً جريمة نيس. أولها أن هذا الحدث الإرهابي لا يمثل الإسلام في شيء، وثانيها أن الرجل تونسي الأصل ضحية التهميش وعدم الاندماج في المجتمع الفرنسي المحيط، وتحليل ثالث سيربط حوادث الإرهاب في العالم بما تشهده المنطقة العربية من تطورات سياسية وأمنية، وتحديداً في سورية والعراق.
قد تكون هذه التحليلات تحمل جزءاً من الحقيقة، غير أنها بالتأكيد تتعامى عمداً عن أجزاء أخرى، وعن تقديم إجاباتٍ واضحة عن ماهية الدوافع التي تجعل رجلاً يسير كليومترين فوق أناس يحتفلون في الشوارع. ولا يكتفي بذلك، بل يكمل فعلته بإطلاق النار على من تبقى، وكأنه لم يشبع من الدماء التي أراقها، بانتظار أن تريق الشرطة دمه. وهذه هي الغاية الأساسية من فعلته. الرجل يريد الموت قبل كل شيء والانتقال إلى حياة أخرى موعودة، سترتفع درجاته فيها بقدر حصده من أرواح "الكفار".
لا يمكن لأحد إنكار أن مثل هذه التفسيرات الدينية موجودة ومنتشرة على نطاق واسع في العالم الإسلامي، وليس فقط لدى تنظيم داعش، فعشرات من هذه الفرق الدينية باتت موجودة على الأرض أو في الفضاء الإلكتروني، وتقدّم حججها من كتب الأحاديث والتفسيرات المتفق عليها لدى المذاهب كافة. أكثر من ذلك، التاريخ الإسلامي مليء بقصص وسير وحوادث تشبه، إلى حد كبير، ما يعايشه العالم اليوم، وإن اختلفت الوسائل والأدوات. ربما من المفيد إعادة قراءة سير الحشاشين وحسن الصبّاح وقلعة "آلموت"، وما أنتجته من انتحاريين أوائل توزعوا في العالم الإسلامي.
بناء عليه، إن كانت "الجريمة لا تمثّل الإسلام"، لكن أطرفاً إسلامية ليست بريئة بالمطلق من الأمر، خصوصاً أن هذه الجريمة وغيرها مدعومة بفتاوى ونصوص متداولة، ولا يزال اللغط حولها بين علماء الدين أنفسهم، بغض النظر عن اعتدالهم أو تطرفهم.
الفتاوى والتفسيرات نفسها تقف أيضاً في وجه اندماج العرب والمسلمين في المجتمعات الغربية. ليس الأمر حكراً على السياسات التي تمارسها الحكومات الغربية، أو تقاعسها في تأمين حياة طبيعية لهؤلاء، بعيداً عن العنصرية والإسلاموفوبيا. فالمهاجر، الجديد أو القديم، يصل إلى الغرب بعد جهد جهيد، محمّلاً بمخزون من الخلفيات المؤامراتية عن الدول الأوروبية ونظريات التحريم التي يصعب التخلص منها، وهي التي تحوّل حياته كابوساً، وتبقيه بعيداً عن الاندماج، أو تجعل من انخراطه في المحيط مكبّلاً.
ذهنيات تحريم لا تزال قائمة، وبأشكال متعدّدة، ولعل جديدها ما أصدره الأزهر من تحريم للعبة "بوكيمون" وربطها بالمؤامرات الغربية لإلهاء المسلمين عن العبادات. تحريم صدر للمفارقة بالتزامن مع اعتداء نيس، ليضيف ثقلاً إضافياً على كاهل جيل من المسلمين، يسعى إلى أن يواكب دينه وعصره في آن، من دون وضعه في مواجهة خيار بين اثنين، وبالتالي، دفعه إلى أحد التطرفين.
المؤكد أن محاربة التطرف الذي أنتج "داعش" وأخواتها لا يكون فقط بالطائرات والصواريخ والحملات العسكرية، بل بحاجة لعملية إصلاح جذري في الفكر الذي أوجد هذا التطرف، أو ساهم في إيجاده، مدفوعاً بعوامل أخرى. وإذا كانت العمليات العسكرية قد بدأت فعلاً، فإن فكرة الإصلاح لا تزال حبيسة ذهنيات التحريم والتكفير.

شاهد الخبر في المصدر العربى الجديد




0 تعليق