اخبار ليبيا فيسبوك

60 عاماً على الثورة في جزيرة قصب السكر

العربى الجديد 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة



في زيارتي الأولى لمدينة دمشق صيف عام 1977، أنا القادم من بلدة ريفية صغيرة في الشمال السوري، تعرّفت إلى فيدل كاسترو، والمفارقة المذهلة أن هذه المعرفة جرت بالمصادفة، فقد أنهيت اختبارات مرحلة التعليم الإعدادي -الصف التاسع- بنجاح، وأراد والدي مكافأتي، فأرسلني لزيارة أخي الكبير الذي يدرس الصيدلة في جامعة دمشق..

حمَّلني الأهل حقيبة مُتخمة بما لذَّ وطاب من لحوم مشوية ومطبوخة وكبّة بأصنافها المختلفة وسمبوسك وحلويات، لذا كانت الحقيبة ثقيلة على ذلك الفتى الذي كنته في تلك الأيام، وحين وصلت بعد جهد جهيد إلى الغرفة التي يسكنها أخي في سفح جبل قاسيون، وما أزال أذكر أنها في بيت شامي قديم في زقاق قريب من جامع ضريح شيخنا الأكبر مُحْيي الدين بن عربي.

رأيتُ على أحد جدران الغرفة صوراً لشخصيات لا أعرفها، لفت نظري صورة في حدود الأربعين سنتمتراً طولاً والعشرين سنتمتراً عرضاً. يلفُّ سوادها بياض في الوسط كأنه هلال في ليل، أظهر المصور حرفيَّة عالية في عمله، أضاء حواف الوجه من الأمام بنور باهر وترك الباقي في سواد حالك، ثمَّ التقط الصورة من الجانب الأيسر للوجه، تتأمل الصورة ملياً، فتشك أول الأمر، هل هي صورة شخصيَّة، لتكتشف بعد حين أنها صورة مذهلة فعلاً.

"
محرك المجتمع الكوبي يتجه نحو رأسمالية حديثة منذ فترة، وفرص العازفة ياي ميلاي للبقاء في الخارج كثيرة وقوية، لكنها مصرَّة على أن تعيش هُنا خاصة الآن، فكوبا تنفتح على الولايات المتحدة الأميركية

"

سألتُ أخي عمن يكون هذا الذي في الصورة، فقال: هذه صورة فيدل كاسترو، ألا تعرفه؟ مما زاد في غُمُوض الصورة البارعة. تركت الصورة تأثيراً عميقاً في مُخيلتي، ثمَّ رحتُ أبحث عمَّا قصد أخي من وراء تسمية الصورة فيدل كاسترو، بعد برهة اكتشفتُ أنه من أعظم الشخصيات السياسية في القرن العشرين إلى جانب رفيق دربه أرنستو تشي غيفارا، كأنما القدر رسم لهما طريق اللقاء والفراق..

في هذا المقام لن أذهب بعيداً فقد قيل الكثير عن التجربة الاشتراكية في جزيرة قصب السكر، ولكنني سأتابع رحلة السيارات القديمة التي استغرقت في سيرها في شوارع العاصمة هافانا عقوداً من السنين، سأذهب معها -إن استطعتُ ذلك- إلى تفاصيل الحياة اليومية للمواطن الكوبي في ظلِّ الحزب الشيوعي الكوبي ومعطف فيدل كاسترو الذي ارتدته كوبا لأكثر من خمسين عاماً.

قبل ذلك سأستدرج المفكر الفرنسي ريجيس دوبريه ليقول ما عنده، فهو صاحب خبرة كبيرة في هذا الشأن وقد كان رفيق فيدل كاسترو وأرنستو تشي غيفارا، وله كتاب مشهور سماه (ثورة في الثورة) عن التجربة الكوبية، واليوم وقد اقترب من الثمانين عاماً من عمره يقول، وتراني أتفق معه في الرأي:

إن إحدى مفارقات الثورات أنها تؤدي إلى إبطاء سير الأشياء، بعد تسارع كبير في البداية، قبل أن يتحول لاحقاً إلى منظومة مكابح ثقيلة. هناك في الثورات مناسبات كثيرة للفرح والبهجة، ولكن أيضاً للحزن والعزاء، وعلى المدى الطويل تتحول البهجة إلى مرارة، وأحياناً كثيرة إلى كوابيس. البؤس يقود الشعوب إلى الثورات، والثورات تعيد الشعوب إلى البؤس. الثورات التكنولوجية فقط، تشذُّ عن هذه القاعدة، لأن لا عودة فيها البتة إلى الوراء. لن نعود إلى الشمعة بعد أن اخترعنا الكهرباء، ولا إلى السفن الشراعية بعد أن ابتكرنا المحركات. الإنترنت غيّر وجه العالم. هنا تقبع محركات التاريخ الحقيقية الضامنة الوحيدة لتقدم لا رجعة فيه إلى الوراء، سواء كان جيداً أو سيئاً.

من وجهة النظر هذه هل يمكن أن تخلع كوبا معطف فيدل كاسترو؟

ياي ميلاي عازفة كوبية مع فرقة سان تيزز التي تتخطى شهرتها حدود كوبا، فهي تعزف في كل أنحاء العالم، التقيتها في فلم وثائقي بثته محطة دي دبليو باسم: كوبا تُجدد الحنين إلى الماضي، من إعداد لورديز بيكاريتا..

ترجلت الفتاة من سيارة أجرة كانت توصلها إلى مقر الفرقة في أحد أزقة أحياء هافانا القديمة، تحمل حقائب طبلاتها الكاريبية من الكرسي الخلفي للسيارة وتُدردش مع السائق على إيقاع أغنية كوبية حديثة تصدح من مُسجل سيارة شيفروليه أميركية، سماوية اللون، مكشوفة السقف، جميلة، ونظيفة، طراز نهاية خمسينيات القرن العشرين. تقول كلمات الأغنية:

مدفونة بين جدران غرفتي الرمادية، متعبة من هذه العزلة، تغزو الكوابيس وحدتي، المخدرات سوداء، والفرح أبيض، الغيتار بيد، وجرعة خمر عند الفجر، نحن صامدون هنا، لأن الحظ العابر أخطأنا.

تسأل الشاب:
- هل تعمل سائق تكسي منذ زمن طويل؟

- كلا، منذ عام فقط.

- ما نوع محرك سيارتك، هل هو شيفروليه؟

- كلا، لقد وضعت بها واحداً جديداً.

- هل هو شيفروليه؟

- كلا، من طراز تويوتا وأحتفظ بالمحرك القديم في المنزل.

- جديدة من الداخل قديمة من الخارج، جديدة وقديمة في آن واحد، هكذا هي كوبا.

آخر جزر الاشتراكية التقليدية ظاهرياً، فمحرك المجتمع الكوبي يتجه نحو رأسمالية حديثة منذ فترة، وفرص العازفة ياي ميلاي للبقاء في الخارج كثيرة وقوية، لكنها مصرَّة على أن تعيش هُنا خاصة الآن، فكوبا تنفتح على الولايات المتحدة الأميركية. تقول: لدينا آمال كبيرة في أن نتمكن من النمو، كنا محصورين في كوبا لوقت طويل، لكننا ننفتح الآن، خاصة الشباب، وهم ليسوا الوحيدين الذين يتطورون، رغم ذلك هُناك خوف كبير من المستقبل، ولكن لا أحد يضع حداً لنا.

في زيارتي الأولى لمدينة دمشق صيف عام 1977، أنا القادم من بلدة ريفية صغيرة في الشمال السوري، تعرّفت إلى فيدل كاسترو، والمفارقة المذهلة أن هذه المعرفة جرت بالمصادفة، فقد أنهيت اختبارات مرحلة التعليم الإعدادي -الصف التاسع- بنجاح، وأراد والدي مكافأتي، فأرسلني لزيارة أخي الكبير الذي يدرس الصيدلة في جامعة دمشق..

حمَّلني الأهل حقيبة مُتخمة بما لذَّ وطاب من لحوم مشوية ومطبوخة وكبّة بأصنافها المختلفة وسمبوسك وحلويات، لذا كانت الحقيبة ثقيلة على ذلك الفتى الذي كنته في تلك الأيام، وحين وصلت بعد جهد جهيد إلى الغرفة التي يسكنها أخي في سفح جبل قاسيون، وما أزال أذكر أنها في بيت شامي قديم في زقاق قريب من جامع ضريح شيخنا الأكبر مُحْيي الدين بن عربي.

رأيتُ على أحد جدران الغرفة صوراً لشخصيات لا أعرفها، لفت نظري صورة في حدود الأربعين سنتمتراً طولاً والعشرين سنتمتراً عرضاً. يلفُّ سوادها بياض في الوسط كأنه هلال في ليل، أظهر المصور حرفيَّة عالية في عمله، أضاء حواف الوجه من الأمام بنور باهر وترك الباقي في سواد حالك، ثمَّ التقط الصورة من الجانب الأيسر للوجه، تتأمل الصورة ملياً، فتشك أول الأمر، هل هي صورة شخصيَّة، لتكتشف بعد حين أنها صورة مذهلة فعلاً.

"
محرك المجتمع الكوبي يتجه نحو رأسمالية حديثة منذ فترة، وفرص العازفة ياي ميلاي للبقاء في الخارج كثيرة وقوية، لكنها مصرَّة على أن تعيش هُنا خاصة الآن، فكوبا تنفتح على الولايات المتحدة الأميركية

"

سألتُ أخي عمن يكون هذا الذي في الصورة، فقال: هذه صورة فيدل كاسترو، ألا تعرفه؟ مما زاد في غُمُوض الصورة البارعة. تركت الصورة تأثيراً عميقاً في مُخيلتي، ثمَّ رحتُ أبحث عمَّا قصد أخي من وراء تسمية الصورة فيدل كاسترو، بعد برهة اكتشفتُ أنه من أعظم الشخصيات السياسية في القرن العشرين إلى جانب رفيق دربه أرنستو تشي غيفارا، كأنما القدر رسم لهما طريق اللقاء والفراق..

في هذا المقام لن أذهب بعيداً فقد قيل الكثير عن التجربة الاشتراكية في جزيرة قصب السكر، ولكنني سأتابع رحلة السيارات القديمة التي استغرقت في سيرها في شوارع العاصمة هافانا عقوداً من السنين، سأذهب معها -إن استطعتُ ذلك- إلى تفاصيل الحياة اليومية للمواطن الكوبي في ظلِّ الحزب الشيوعي الكوبي ومعطف فيدل كاسترو الذي ارتدته كوبا لأكثر من خمسين عاماً.

قبل ذلك سأستدرج المفكر الفرنسي ريجيس دوبريه ليقول ما عنده، فهو صاحب خبرة كبيرة في هذا الشأن وقد كان رفيق فيدل كاسترو وأرنستو تشي غيفارا، وله كتاب مشهور سماه (ثورة في الثورة) عن التجربة الكوبية، واليوم وقد اقترب من الثمانين عاماً من عمره يقول، وتراني أتفق معه في الرأي:

إن إحدى مفارقات الثورات أنها تؤدي إلى إبطاء سير الأشياء، بعد تسارع كبير في البداية، قبل أن يتحول لاحقاً إلى منظومة مكابح ثقيلة. هناك في الثورات مناسبات كثيرة للفرح والبهجة، ولكن أيضاً للحزن والعزاء، وعلى المدى الطويل تتحول البهجة إلى مرارة، وأحياناً كثيرة إلى كوابيس. البؤس يقود الشعوب إلى الثورات، والثورات تعيد الشعوب إلى البؤس. الثورات التكنولوجية فقط، تشذُّ عن هذه القاعدة، لأن لا عودة فيها البتة إلى الوراء. لن نعود إلى الشمعة بعد أن اخترعنا الكهرباء، ولا إلى السفن الشراعية بعد أن ابتكرنا المحركات. الإنترنت غيّر وجه العالم. هنا تقبع محركات التاريخ الحقيقية الضامنة الوحيدة لتقدم لا رجعة فيه إلى الوراء، سواء كان جيداً أو سيئاً.

من وجهة النظر هذه هل يمكن أن تخلع كوبا معطف فيدل كاسترو؟

ياي ميلاي عازفة كوبية مع فرقة سان تيزز التي تتخطى شهرتها حدود كوبا، فهي تعزف في كل أنحاء العالم، التقيتها في فلم وثائقي بثته محطة دي دبليو باسم: كوبا تُجدد الحنين إلى الماضي، من إعداد لورديز بيكاريتا..

ترجلت الفتاة من سيارة أجرة كانت توصلها إلى مقر الفرقة في أحد أزقة أحياء هافانا القديمة، تحمل حقائب طبلاتها الكاريبية من الكرسي الخلفي للسيارة وتُدردش مع السائق على إيقاع أغنية كوبية حديثة تصدح من مُسجل سيارة شيفروليه أميركية، سماوية اللون، مكشوفة السقف، جميلة، ونظيفة، طراز نهاية خمسينيات القرن العشرين. تقول كلمات الأغنية:

مدفونة بين جدران غرفتي الرمادية، متعبة من هذه العزلة، تغزو الكوابيس وحدتي، المخدرات سوداء، والفرح أبيض، الغيتار بيد، وجرعة خمر عند الفجر، نحن صامدون هنا، لأن الحظ العابر أخطأنا.

تسأل الشاب:
- هل تعمل سائق تكسي منذ زمن طويل؟

- كلا، منذ عام فقط.

- ما نوع محرك سيارتك، هل هو شيفروليه؟

- كلا، لقد وضعت بها واحداً جديداً.

- هل هو شيفروليه؟

- كلا، من طراز تويوتا وأحتفظ بالمحرك القديم في المنزل.

- جديدة من الداخل قديمة من الخارج، جديدة وقديمة في آن واحد، هكذا هي كوبا.

آخر جزر الاشتراكية التقليدية ظاهرياً، فمحرك المجتمع الكوبي يتجه نحو رأسمالية حديثة منذ فترة، وفرص العازفة ياي ميلاي للبقاء في الخارج كثيرة وقوية، لكنها مصرَّة على أن تعيش هُنا خاصة الآن، فكوبا تنفتح على الولايات المتحدة الأميركية. تقول: لدينا آمال كبيرة في أن نتمكن من النمو، كنا محصورين في كوبا لوقت طويل، لكننا ننفتح الآن، خاصة الشباب، وهم ليسوا الوحيدين الذين يتطورون، رغم ذلك هُناك خوف كبير من المستقبل، ولكن لا أحد يضع حداً لنا.

شاهد الخبر في المصدر العربى الجديد

إخترنا لك



أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com