http://store2.up-00.com/2016-05/146458253941.png

عصرنا في مرآة أورويل

العربى الجديد 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة



وصف الأكاذيب بأنها "حقائق بديلة"، ذكّر جمهوراً واسعاً من الصحافيين والمعلقين وعامة الناس في الولايات المتحدة الأميركية وفي ، بأجواء رواية "1984" التي تخيّل فيها الكاتب الإنكليزي جورج أورويل (1903-1950) عالماً يحكمه حزب مستبد بكل شيء؛ الماضي والحاضر والمستقبل، منطلقاً من أنه لا وجود للواقع الموضوعي إلا في أذهان البشر، وبهذا ينكر أي وجود لحقيقة غير ما يلفّق الحزب وما يفرض .

جاء هذا الوصف على لسان ستيف بانون، المستشار السابق للرئيس الأميركي دونالد ترامب في تبرير لتصريح غير معقول لمستشاره الصحافي رفع فيه حجم من حضروا حفل تنصيبه إلى عدد "لا مثيل له على سطح الكرة الأرضية"، ورافقتها  أخرى قالها ترامب في خطاب له في يوليو/تموز 2018، حين خاطب أحد المتسائلين بالقول: "ما ترون وما تقرؤون ليس هو ما يحدث". هذه التصرحيات تبدو وثيقة الصلة بما أمرت به حكومة الحزب المستبد رعاياها في رواية أورويل، حين كانت تأمرهم بأن يتركوا جانباً ما يرونه بعيونهم ويسمعونه بآذانهم.

وعلى امتداد الأيام اللاحقة على تداول هذه التصريحات، ارتفعت نسبة مبيعات رواية أورويل بسرعة صاروخية، وأصبحت على رأس قائمة أكثر الكتب مبيعاً. وفي مجالات ثقافية أخرى، نجد أن سلسلة من دور السينما الأميركية قد أعلنت عن عرض فيلم ميشيل رادفورد المأخوذ عن رواية "1984"، لأن "الساعة تعلن الآن أنها الثالثة عشرة" على حد تعبير بعض الحملات الدعائية لهذه القاعات، كما طلب مخرجون مسرحيون أميركيون من المسرحي البريطاني روبرت آيك نقل مسرحيته المأخوذة عن الرواية أيضاً إلى مسارح برودواي (41 مسرحاً) في نيويورك في أسرع وقت ممكن.

"
ترويج الأكاذيب كحقائق بديلة حجر زاوية عالمٍ أورويلي
"

كل ذلك يشير إلى شعور بالتماثل بين "واقع" عالم رواية أورويل، والعالم الذي تشف عنه. يرى الكاتب جاك هولمز أن ترامب من خلال أقواله يبدو "مؤمناً بفكرة أن لا وجود لواقع موضوعي، وكل شيء صحيح وحقيقي إذا آمن به عدد كاف من الناس". ويضيف هولمز: "من الواضح أن الرئيس يسعى إلى تشكيل حركة شمولية لا سلطة عليها لغير عالمه، والتي يمكن أن تكون بمثابة سرج حصان يتمكن به امتطاء المؤسسات الديمقراطية".

وكتبت الصحافية ماشا كاسن تعليقاً على ما بدأت تروّجه الجهات الرسمية من أكاذيب تزعم أنها "حقائق بديلة" فتخلق بذلك "عالماً أورويلياً كامل الأوصاف"، وتشير إلى أن الأكاذيب ليست مجرد أكاذيب، بل هي أدوات تساهم في تدمير مفهوم الحقيقة ذاته، وهذا هو حجر الزاوية في الطريقة التي يلعب بها الاستبداد.

تقول كاسن: "الكذب رسالة، مفادها ليس أنك تكذب فقط، بل تؤكد سلطتك على الحقيقة بشكل سافر". وتضيف أن "ترامب يدعي أنه يسيطر على الواقع ذاته بأكاذيبه. والمسألة هي فرض السلطة على الواقع". ويذكرنا هذا بشعار الحزب الحاكم في عالم أورويل: "من يسيطر على الماضي يسيطر على المستقبل، ومن يسيطر على الحاضر يسيطر على الماضي"، ولأنه لا وجود لأي واقع، وبالتالي لأي حقيقة، خارج جمجمة الإنسان، يضمن الحزب السيطرة على الواقع ذاته، ما دام يعيد كتابة الماضي وفق أي صورة يشتهيها عبر إحكام قبضته على الحاضر، وزجه في دماغ رعاياه.

ما لاحظه هؤلاء يتقاطع مع ما ذهب إليه الكاتب البريطاني دوريان لانيسكي، في كتاب أصدره منذ وقت قريب تحت عنوان "وزارة الحقيقة: سيرة ذاتية لرواية 1984"، من تماثل بين العالم كما تخيله جورج أورويل وعصر التلفيق الذي دشنه الرئيس ترامب وحزبه، فقد كتب لانيسكي: "في ديسمبر/كانون الأول 1948، يجلس رجل في فراشه وبين يديه آلة طابعة، في جزيرة نائية، ويجاهد ليكمل الكتاب الذي يعنيه أكثر من أي شيء آخر، رجل مريض منهك سينهي الكتاب، وبعد سنة أو نحو ذلك سينتهي الرجل أيضاً.

"
ظنّ النقّاد أن الرواية ستفقد شعبيتها بمرور السنوات
"

وفي يناير/كانون الثاني 2017، يقف رجل آخر أمام حشد ليس بالعدد الكبير في واشنطن ليؤدي القسم بوصفه الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة الأميركية، فيقول سكرتيره الصحافي أن جمهور الحاضرين كان الأكبر بين أي جمهور حضر حفل تنصيب في أي مكان في العالم"، وحين يُسأل عن السبب وراء هذه الأكذوبة غير المعقولة، يزعم مستشار الرئيس أن هذه الأكذوبة حقيقة بديلة".

لم يكن أحد يتصور بالطبع أن "الواقع" المرعب الذي جسّده أورويل، واشتق النقاد منه صفة "أورويلي" يطلقونها على أي واقع يماثله أو يظنون أنه يماثله، يمكن أن يتحقق في يوم من الأيام. وحين نُشرت الرواية في بريطانيا في يونيو/حزيران 1949، تساءل ناقد: "كيف يمكن أن يكون كتاب مناسباً لوقته وله تأثير قوي على الأجيال القادمة؟".

وبعد مرور 35 سنة، أي مع حلول عام 1984، لم يكن العالم كابوساً حسب وصف الرواية، بل وتنبأ معلقون جدد بأن شعبية الرواية ستتلاشى. بدا أن العالم يسوده التفاؤل في عام 1990 مع زوال نظام الفصل العنصري، وتفكك الاتحاد السوفييتي، ولم يشعر أحد بأن العالم "الأورويلي" موجود.

وحتى لم يُقم أحد صلة بين حدث 11 سبتمبر/أيلول 2001 والصورة الكلية التي رسمتها الرواية. كانت الديمقراطية في حالة صعود، واعتبرت شبكة الإنترنت قوة خير. ولكن في عام 2016 بدأ العالم يتغير. فقد وصل ترامب إلى البيت الأبيض، وصوّتت بريطانيا للخروج من الاتحاد الأوروبي، واجتاحت النزعة الشعبوية أوروبا، وبدأ الناس يتحدثون قلقين عن انتفاضات سبعينيات القرن العشرين، والأسوأ، عن أحداث الثلاثينيات، وبدأت رفوف المكتبات تمتلئ بعناوين مثل "كيف تنتهي الديمقراطية" و"الطريق إلى انعدام الحرية" و"موت الحقيقة"، والكثير منها يأخذ شواهد من رواية أورويل. وطبعت نسخة من كتاب "حنة آرنت" المسمى "منابع الاستبداد"، وروج له ككتاب يدعم رؤية رواية أورويل.

بسبب كل ذلك، يرى صاحب كتاب "وزارة الحقيقة" بأن رواية "1984" ظلت بعد سبعين سنة مرت على صدورها "الكتاب الذي نرجع إليه حين تشوّه الحقيقة، وحين تمسخ اللغة، وحين يساء استخدام السلطة، وحين نريد معرفة إلى أي مدى وصلت الرداءة. إنها ما زالت حسب كلمات أنطوني بورجس، مخطوطة عن يوم قيامة لأسوأ مخاوفنا".

اقــرأ أيضاً

شاهد الخبر في المصدر العربى الجديد

إخترنا لك



أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com