555555555555555

انتخابات بلدية فلسطينية بنكهة سياسية

العربى الجديد 0 تعليق 173 ارسل لصديق نسخة للطباعة
بعد نحو شهر، من المقرر عقد أول انتخابات من نوعها، للبلديات والمجالس المحلية في الضفة الغربية وقطاع غزة، تجري بعد انقطاع دام نحو عشر سنوات كالحات، تخللتها صراعاتٌ داخليةٌ مريرة، ووقعت في غضونها حروب عدوانية، وأفضت في ما أفضت إليه من تداعياتٍ سلبية لا حصر لها، إلى حدوث حالة تصحّر سياسي مديدة، أرخت بظلالها السوداء على مختلف مناحي الحياة الاجتماعية، أفرزت سلسلة من الاستعصاءات، وأضعفت بنية المنظومة السياسية الفلسطينية.
على هذه الخلفية الموجزة، بدت الانتخابات المحلية حدثاً سعيداً للطبقة السياسية الفلسطينية، حيث أظهرت القوى الاجتماعية والحزبية والفصائلية حفاوةً لافتةً بهذه الواقعة التي طال انتظارها، ولقي قرار إجرائها استقبالاً حسناً من الإعلام والرأي العام ومختلف الفعاليات، حيث يصعب على المرء العثور سوى على أقل القليل من الاعتراضات أو التحفظات على عقد هذه الانتخابات التي بات يُنظر إليها، على نطاق واسع، ويتم التعاطي معها، على أنها انتخابات محليةٌ بنكهةٍ سياسيةٍ كاملة الدسم.
بكلام آخر، أشعلت هذه الانتخابات حماساً شديداً لدى الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، حيث استقطبت معظم الاهتمامات والأضواء، وحققت لأول مرة إجماعاً مفقوداً منذ نحو عقد، بين طرفي الانقسام في غزة والضفة الغربية، على أنه آن أوان وقف التهديدات بمنع إجراء عملية ذات صبغة إدارية ومحتوى اجتماعي، عطلته المناكفات الصغيرة والحسابات الجزئية التي أجلت سائر الاستحقاقات الدستورية، بما في ذلك الانتخابات الرئاسية والتشريعية، ناهيك عن الانتخابات البلدية.
وأحسب أن سر هذا التوافق المفاجئ بين مختلف المكوّنات السياسية، لا سيما حركتي فتح وحماس، على إجراء هذه الانتخابات، هو رغبة كل الأطراف المعنية، خصوصاً لدى طرفي الانقسام، في اختبار حقيقة أوزانهما الشعبية، وجسّ نبض القاعدة التنظيمية والجماهيرية، إزاء ما هو مطروح على الرأي العام من شعارات وخطابات وادعاءات، متباينة بتباين المرجعيات الممسكة بطرفي سلطتين متنافستين، إحداهما تحت احتلالٍ كريه، يعمل على تقويضها كل يوم، وثانيتها تحت حصار خانق، يكاد يكتم أنفاسها.
"أهم نتيجة متحققة لهذه الانتخابات منذ الآن أنها ألقت حجراً كبيراً في البركة السياسية الراكدة، وأحدثت حراكاً اجتماعياً سياسياً، كانت الحياة الوطنية الفلسطينية في أمسّ الحاجة له، في ظل حالة التصحر السياسي"

وعليه، وأياً كان التوصيف القانوني لهذه الانتخابات، أو كانت صفتها الرسمية، فإن هناك ما لا يختلف عليه اثنان، على أنها انتخابات سياسية، نظراً لما تتسم به الحملة الانتخابية من ضراوةٍ ذات أبعاد فوق بلدية، وما يحشد لها من طاقاتٍ تنظيمية، وما تشهده من تحالفاتٍ حزبية وفصائلية، الأمر الذي أضفى على هذا السباق إلى المجالس المحلية بعداً سياسياً لا تخطئه العين، مهما كانت كليلة، وجعل منها محطةً قد تكون فارقةً في مجرى حياة وطنية متعطشة إلى استئناف دورة تطورها الطبيعية.
ولا يعني ذلك كله أنه لا وجود لمحذورات أو تخوفات مشروعة، تقف قبالة هذه الانتخابات المقدّر لها أن تشهد منافساتٍ حادة، ليس بين العائلات والحمائل فقط، وإنما بين الفصائل والقوى السياسية. كما لا تخلو هذه الانتخابات من نواقص وعيوب معروفة سلفاً لدى كل المنخرطين فيها، بما في ذلك ضعف سلطة هيئة الانتخابات المستقلة، حتى لا نقول عدم وجودها بصورةٍ جديةٍ في قطاع غزة، فضلا عن استثناء القدس، مرة أخرى، من الانتخابات البلدية، علماً أنها شهدت انتخاباتٍ رئاسية وتشريعية في الدورتين السابقتين عامي 1996و2005.
ومع أن الاستعدادات لعقد هذه الانتخابات في موعدها المقرّر، يوم الثامن من الشهر المقبل، جارية على قدم وساق، من دون عوائق تذكر، إلا أن هناك بعض الخشية من تعليقها في آخر لحظة، على الأقل في قطاع غزة، إذا ما استنتجت "حماس" التي لم تنفك عن التهديد بتخريب اللعبة، إن دفة الاقتراع قد لا تصب في مصلحة المرشحين الذين تقف وراءهم سلطة الأمر الواقع التي منعت، طوال السنوات العشر الماضية، إجراء أي نوع من الانتخابات، وعلى أي مستوى قطاعي أو فئوي، بما في ذلك انتخابات النوادي والجمعيات والطلاب والمرأة والعمال.
على أي حال، إذا جرت الانتخابات وسط وضعية الاستقطاب الراهنة، فإن ما بعدها لن يكون كما قبلها، خصوصاً إذا ما أسفرت عن نتائج دراماتيكية غير متوقعة، وإذا كانت الخسائر فادحة لهذا الطرف أو ذاك من طرفي الانقسام، ما من شأنه أن يقوّض الادعاءات المتبادلة حول الأحقية والقوة التمثيلية، والأهلية السياسية، وما إلى ذلك من مزاعم ظلت متواترة على مدى العقد الماضي، حيث المقدّر لهذه الانتخابات أن تكون كاشفةً لكل ما تم تبادله على الهواء من ادعاءات، بصورة لا تقبل مزيداً من السجالات الإضافية.
وإلى أن ينجلي مخاض هذه الانتخابات عن نتائج قابلة للقراءة من الطبقة السياسية الفلسطينية والمراقبين والفضوليين، على نحوٍ لا يقبل التأويل أو المراوغة، سواء حيال الأحجام والأوزان، أو إزاء المزاعم والادعاءات المتبادلة، فإن أهم نتيجة متحققة لهذه الانتخابات منذ الآن أنها ألقت حجراً كبيراً في البركة السياسية الراكدة، وأحدثت حراكاً اجتماعياً سياسياً، كانت الحياة الوطنية الفلسطينية في أمسّ الحاجة له، في ظل ما أسميناها حالة التصحر السياسي الذي زاد من بؤس الانقسام، وكاد يجفّف الدم في عروق المنظومة الفلسطينية.

شاهد الخبر في المصدر العربى الجديد




0 تعليق