555555555555555

فكر الدولة... مقاربات نظرية

العربى الجديد 0 تعليق 277 ارسل لصديق نسخة للطباعة
التفكير، في تعدّد مذاهبه وطرقه، من الأشياء التي درج عليها المعطى البشري بصورة عامة. وبتشكله، صائباَ كان أم خاطئاً، تشكلت الحضارة المعاصرة على علاتها، وتعقد (وتشابك) مفرداتها في المراد منه، فالأسس الحضارية لأيّ أمة ما هي إلا نتاج تفكير وقراءة متأنية للوقائع والأحداث، بتصنيفها المحلي أو العالمي، في سياق متعولم يحتّم حركيةً دائمةَ، وانسجاماً متعدّد القراءات للذي يجرى حولنا، فهماً واستنباطاً، تأملاً وتفكيراً.
فهل من هذه المعطيات المنهجية، يمكن أن نؤسّس لفكر سياسي متعطّل على مقاس من تعطّل الأحكام الاجتهادية في كلياتها العامة، بما يتناسب مع فقه المرحلة، وتعدّد أقاليم دار الإسلام ومجالاتها، ما يحتم واقعيةً منسجمةً ومتفتحةً بشيء من التساهل، حتى تنعم أفئدة وتستقر نفوس.
وإن ظلّ هذا التوّجه المرن بما يضع من أحكام شرعية (يغيب عنها البحث الاجتهادي في تناول كبريات الإشكاليات الفقهية حول الإمام، وأدواره السلطوية بمفهومها الواسع)، لم يخلق انسجاماً موحداً ومشتركاً، يقلًل أو يعطي مبدئياً نوعاً من الوعي بالأمة الجامعة، المنسجمة ثقافياً والممتلكة ردوداً شافية غير لحظية، بشأن مصائرها وعلاقاتها مع الآخر، مهما كان، سواء المخالف ثقافياً أو بصورة مغايرة لنمط التفكير والملبس والمأكل والمشرب...إلخ.
"الأسس الحضارية لأيّ أمة ما هي إلا نتاج تفكير وقراءة متأنية للوقائع والأحداث، بتصنيفها المحلي أو العالمي، في سياق متعولم يحتّم حركيةً دائمةَ، وانسجاماً متعدّد القراءات للذي يجرى حولنا، فهماً واستنباطاً، تأملاً وتفكيراً"

تلك مشكلة حقاً، تواجه حاضرنا بأسئلة كثيرة مكثفة وحرجة، تجعلها من العالق أو المنسي في علاقة الفكر والثقافة بالمنتج عموماً، والمراد تصويره على المستوى الشعبي الجارف، المتلقف بطبعه كل حراكٍ من هذا القبيل، على أساس من "التغير" و"الانسجام الاجتماعي" و"محاربة المارقين والخارجين" عن المقدّس أو الممنوع.
والحق أنّ هذا الصراع النخبوي في تحديد المسارات الفكرية، إجابة على الإشكالات المصيرية، هو من القضايا الشائكة والمعقدة، إن تعلّق بدار الإسلام عموماً، أو بجوارها خصوصاً، وإن ظلّت هذه الآراء مسكونةً بهواجس، نحسب إيرادها في هذا المقام من الضروري الحتمي، نثراً للمفاهيم العامة المؤسّس عليها الفعل السياسي في البلاد الموريتانية، ومقتضيات الواقع التي أنتجت الأسس المعيارية للخطاب السياسي المستحدث أو الماضوي، وإن كان الفرق جلياً بين المفاهيم الخطابية التي أنتجت في ظلّ حركة سياسيةٍ، أو نظام أو تيار مهما كان، والفكر الذي انبنى عليه، في صياغته الجمعوية، التوجه والمسار السلطوي عموما علاقةً، وتفاعلاً، وإنتاجاً للمفهوم، وتحوّلاً بطيئاً، يعكس التغيّر والتبدّل في إطار العملية السياسية، وانسجامها مع المعطيات المجتمعية عموماً.
ولعلنا أردنا هنا أن لا نتتبع عن قصد ووعي المسارات التاريخية الفكرية لهذا المنتوج المعرفي السلطوي، ولا معيارية تلك الخطابات، وصدق توجهاتها وإثرائها الساحة العلمية أو السياسية، بقدر ما أردنا أن تكون الأفكار عموماً مرصودةً في مجموعة من النقاط مبدية، إسهاماً في النقاش العام حول كبريات الأحداث التي تظهر، من حين إلى آخر، مقلقةً بحسب المعايير السياسية أو الاجتماعية. لذا، ستكون الإجابة هنا بمعناها الوظيفي استحداثاً لإشكاليات النشأة ومقتضيات الواقع.
الواقع المحلي في موريتانيا، ونقصد به التفاعلات المحلية، سواء تعلّق الأمر بالوحدة الشاملة لفضاء اشتمل على خصائص عامة موحدة، استثمرت في الوقائع والمحطات البارزة من تاريخه، خصوصاً في أيام المحن والقلاقل، وإن كان استثماراً عكسياً في غالبه، يعكس هذا الواقع ردّات فعل غير محسوبة العواقب، ولا مأمونة الجوانب لمستغليها، أو كان على مستوى تجاذبات الأطراف، وما تطرح من إشكالياتٍ تتعلق بالأقليات وحقوقها ومشاركتها في العملية السياسية، بما يكفل الخصوصية والفاعلية المجتمعية في آن.
وإن كان هذا الصراع في موريتانيا ظل نخبوياً في تعاطيه نحو المسارات والاتجاهات المحكوم بها في خصوصية موقعه، وما يتيح من تعدّديةٍ، استغلت على مستويات عدة في إطار المجتمع الفرد والأنا الغالب المسيطر على كل الأشياء، بفضل المعطى الاجتماعي الذي يرزح تحت وطأته الجميع، إرجاعاً لسنة القبيلة والتكتلات المفضية إلى نوعٍ من الممارسة الاستغلالية للفرد، ونفوذه في المجتمع الصحراوي بمفهومه الواسع.
الإجابة على المستحدثات التي طرأت، خصوصاً مع تشكّل الدولة المعاصرة، وما طرحت من إشكالات، إن تعلّق بالمفهوم وإخضاعه للمحلية والتبيئة، بما يتناسب وخصوصيات المجتمع، أو كان على مستوى التفاعل مع الوليد الجديد، بإحداث أنساقٍ مرجعيةٍ تكون أساساً للمواطنة والانسجام المجتمعي.
وإن كان هذا المجال من الإشكاليات غير المحسومة، ولا المتفق عليه بين جمهور النخبة، أحرى في عمومه، وهو ما صنع أثراً عميقاً في الفهم والحدود والواجب اتجاه الرعية، أو في قواعد العملية المدار بها العمل السياسي. وهنا، نقصد الشرعية المجتمعية للحكام، والاتفاق ضمنياً على حدود التداول بمعناه الوظيفي.
وما الأزمات التي تحدث، بين الفينة والأخرى، إلا انعكاس بادٍ لهذا التمظهر، فلا المواطن، في شقه الشعبي، أحسّ بواجباتٍ يقدّمها على أساس من مواطنته، وزهده في الأشياء المادية للدولة، ككيان يجد فيها الذات والضمير، ولا الأخيرة أحسّت بدورها غير النفعي تجاه هذا المواطن في إنجاز ثقافةٍ حواريةٍ حول الثوابت والمرتكزات، والابتعاد تدريجياً عن القلق، أو التردّد اتجاه كبريات الأسئلة حول الهوية والمسار المتفق عليه. وهو ما أظهر، حسب نظرنا، خللاً بنيوياً في تأسيس دولةٍ معاصرةٍ، تبني على معادلة الحق والواجب والعدل والإنصاف، وحسم المقتضيات الواقعية للأسئلة التي تتطلب إجابات.
"ظل المشروع النخبوي في تأسيس الدولة في موريتانيا غائباً في خطوطه العريضة، وإن كان إعطاء الحكم أو الرأي في المستجدّات، بمعناها النوازلي، متابعاً للمشهد، فاعلاً في إنتاجية الأحكام والمواقف"

وعن الآخر وتقبله، ومحاولة فهمه في سياق الإنسانية والمشترك العام لأبناء المجال، تلك إشكالية تماهى فيها أهل الرأي، ونوقشت على أكثر من صعيد، وإن ظلّت حبيسة التجاذبات المحلية والآراء الجزئية الآنية المنطلقة من مصالح لحظية. ولم تقدّم تلك المراجعات، في نظرنا، رؤية تأسيسية، يأوي إليها، حين المطبات والمزالق، أو الفهم في سياق الجماعة الموحدة، وهو ما قلّل من الآراء التنويرية في مكافحة الحركات والأطماع التذمرية التي تظهر من حين إلى آخر، رافضةً أو غير مقتنعة تمام الاقتناع بالواقع وإفرازاته، وهو أمر تمثّل، بشكل مباشر، في الاحتجاجات والتكتلات، حيناً بشكل قانوني تكفله الدساتير والمؤسسات، وأحايين أخرى كثيرة تكون ردّات الفعل غير متحكم في مسارها، ولا في الوعي الذي ستفرزه عبر الزمن الطويل.
ولعل النخب، في عمومها، ظلت حبيسة الراهنية الزمنية، فلم تفلح (والحكم ليس بمعناه الجزمي) في إعطاء مقارباتٍ نموذجيةٍ للواقع السياسي، في تجاوزه للإشكاليات المقلقة، والتي تظهر بصور قد لا تكون ورديةً، فهي، في النهاية، جزء من الحراك المجتمعي، وقد يكون تموقعها مناسباً جداً لمقتضيات المرحلة، وإفرازاً له، وفق مقتضيات الواقع والرجوع إلى الأطر القبلية، تماهياً وانسجاماً مع المجتمع وقواعده في الجانب الآخر.
وهو واقع أنتج نوعاً من نظام التقية في المعاملة والإحساس بواقعين متناقضين في المبادئ والأهداف، ما يجعل الهوة عميقة في إيجاد تفاهماتٍ حول الفضاءين، بما يتيحان من مصالح نفعية، قد يكون الفضاء القبلي أقوم الطرق وأيسرها إلى الوصول إليها.
لذا، ظل المشروع النخبوي في تأسيس الدولة في موريتانيا غائباً في خطوطه العريضة، وإن كان إعطاء الحكم أو الرأي في المستجدّات، بمعناها النوازلي، متابعاً للمشهد، فاعلاً في إنتاجية الأحكام والمواقف، مما طرأ من الأمور في المأكل أو المشرب أو اقتسام المنافع، مما تتعلق بالملكيات العامة أو المثير للدهشة ركوب السيارات أو الطائرة أو حقن الدماء، وهي حركية إنتاجية، غابت عن المشروع الأساسي في التفاعل معه، واغتنام الفرص المتاحة في تأسيس الدولة المعاصرة.
وقد لا تكون التوازنات القبلية، ودورها في إيجاد انسجام اجتماعي، في منأى عن بعثها هيئة لها القدرة على اتخاذ القرار في المصائر وكبريات الأحداث، وهو ما شكل ردة فعل ارتدادية في صراع القوى ومركزيتها. وعموماً، شكّل هذا اللاعب قوة ضخمة، يمكن الاتكّاء عليها حين المواسم، عنصراً فاعلاً ومؤثراً، وهو ما أحدث نشازاً بين التصوّرات الوضعية للمشروع الوليد وطموحاتٍ تتكيّف مع الواقع، وتعاد صياغتها على أساس الظرفية المعاشة، إضافة إلى الأدوار التي تلعبها، باعتبارها رقيباً اجتماعياً يعطي ويمنع ويهب، وله السلطة التقديرية.
والحق، أنّ هذه العوارض التي تظهر مقلقةً في محيط عالمي متقلب ومتغيّر تعكس ضرورة إيجاد مشروع مجتمعي، تصنعه النخبة بمفهومها الواسع، من أجل تلافي أيّ رؤية، قد لا تكون منسجمةً مع الواقع، متبنية الخطابات التنويرية، وواضعة الأصبع على الأسئلة المركزية التي تحتاج إلى إجاباتٍ بعيدة النظر والأفق، ما يجعل ضرورة مناقشتها، والنظر إليها، من الأمور الحتمية، إذا ما روعيت واستغلت اللحظات التكاتفية التي تظهر، من حين إلى آخر، عندما تكون الحاجة ماسّة لذلك الغرض.

شاهد الخبر في المصدر العربى الجديد




0 تعليق