تويتر اخبار ليبيا

اخبار ليبيا : أزمة النُخبة

عين ليبيا 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة



تفسير الفوضى السياسية والاحتراب العسكري لا شك أن جذوره ثقافية، والأدهى من ذلك تصحر الوطن من النُخبة الفاعلة وفشل الشتات منها للقيام بدورها، بل أن الشارع رغم تعرضه للمسخ الثقافي لعقود طويلة أوضح تقدمه كثيراً عن بقايا النُخبة من خلال مظاهراته وتعبيراته ومطالبه الواضحة والجلية لتكوين دولة مدنية عصرية عجز السياسيون والمثقفون عن رسم ملامحها.

ما دور النُخب وما جدواها إن لم تكن تمتلك صفة الفاعل السياسي أو الثقافي المنخرط في العمل والإنتاج أو النضال من أجل التغيير؟ النخب الفاعلة أو قادة التغيير من السياسيين والمثقفين والكتاب والاصلاحيين ومن تصدر الشأن العام لهم دور كبير في تغيير الشعوب الأوروبية وحتى الإسلامية، فصاحب الفكرة، يحيا بفكرته في كل لحظة من لحظات حياته، إنه يعيش لفكرته، ويحيا لدعوته، من هؤلاء محمد عبدة ورشيد رضاء والكواكبي وجمال الدين الأفغاني ومحمد إقبال وابو الأعلى المودودي ومالك بن نبي على إختلاف توجهاتهم وخلفياتهم الثقافية إلا أنهم يمثلون بدايات عصر التنوير رغم أنهم جميعاً عاشوا في حقبة الإستعمار  التي من الواضح أنها أكثر ثراء من الدولة القومية أو الدينية المستبدة، ولقد توقف ذلك المد بعد وصول الحكومات (الوطنية) إلى الحكم، والتي عملت على تحريف وتشويه مطالب التنوير بثقافات مزجاة منها القومية أو الأصولية الإسلامية المتشددة والتي نتجت القاعدة وداعش والنصرة وانصار الله وكل الحركات الإسلامية المقيته، والحروب الفاشلة.

تاريخيا المثقفون الليبيون ينهلون من موائد الساسة إلا النذر القليل الذي فضل المقاومة مثل الاستاذ فاضل المسعودي والدكتور عمر النامي والدكتور محمد الشريف، ومحمد المفتي، أما الأخرون فهم تماهوا مع الإيطاليين أو منح حكومات المملكة فبرروا فسادها أو تخرجوا من المدرج الأخضر وأصبحوا ابواقا لها، في تلك الحقب الطويلة كان التهديد والإبتزاز عنوانا للمرحلة.

خلاصة القول أن الإستبداد سواء كان الديني أو العسكري لا يساعد على بناء النُخب والإستفاذة من خبراتها، ففي نظر المستبد العسكري؛ النُخب منافسين شرسين مكانهم السجون أو القبور، وبالمثل الإستبداد الديني يريد الناس جميعا أن تأكل وتشرب وتلزم بيوتها ولا تنطق ببنت شفة، وهو تحريف وضلال عن النبع القرآني الصافي، فالقرآن يتلوه مليار مسلم ونيف يقول:  تبت يدا ابي لهب، وقال الأعراب أشد كفرا ونفاقا، وقال إن قارون علاء في الارض، ووعد الظالمين بصقر، ويقول إن فرعون علا في الارض، وهناك مئات من ايات الوعيد للظالمين ولم يذكر أن ذلك غيبة تمحوا خطاياهم، أو يجب أن نتستر على أفعالهم أو نسدل لهم النصيحة في الخفاء، بالمثل لن يتم إصلاح إحوالنا إلا عندما نقول للمحسن أحسنت وللمسئ أسئت وليتم تغييره بغيرة فالأمة لم تعقم أن يكون لها رجال. وهذا الوضع جعل المتسلقين وأشباه المتعلمين وأنصاف العقول يقومون بدور النخبة، وهو بادئ للعيان في الكثير من المجالات عند الدول التي عانت من الإستبداد ومنها ليبيا.

يقول الشاعر الأفوه الأودي، في أبياته الشهيرة مشيرا إلى أهمية النُخبة وخطر تولى الجهلة مكانها:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم **** ولا سراة إذا جهّالهم سادوا
تهدي الأمور بأهل الرأي ما صلحت **** وإن توالت فبالأشرار تنقاد
إذا تولى سراة الناس أمرهم **** نما على ذاك أمر القوم فازدادوا

أن تنسحب النخب من الساحة ولا تقوم بدورها في تصحيح فوضى تشكيل المجالس العسكرية وتوزيع الأموال بلا مبرر في عهد المجلس الإنتقالي ولا يكون لها رؤية للمصالحة، ولا لجمع السلاح ولا لكتابة ميثاق وطني جامع  أو تتماهى مع مجموعة لا للتمديد في عهد المؤتمر الوطني فذلك قصور وإعلان تهميش نفسها من المشهد الليبي ولكن ان تقوم بتسويق العسكر وبتبرير هدم البيوت في بنغازي ودرنة والهجوم الغاشم على العاصمة فتلك جريمة.

قد يتغاضى البعض عن النُخب الخارجة عن دوائر الحكومة مثل الكتاب والمثقفين والإعلاميين (رغم أهمية دورهم) ولكن الشر أعظم عندما يكون ممن أُثُمن على مقاليد الدولة، فوزارة الخارجية بقدها وقديدها متآمرة مع العدوان على العاصمة وليس لها دور بمجموع مئة وثلاثة وعشرون سفارة حول الكرة الأرضية، ورئيس الأركان لم يُرى في ساحة المعركة إلا بعد خمسبن يوما (وهي فرصة ثمينة ضائعة لتاسيس الجيش على اسس مثينة) علما بأن قيادات المناطق كان لهم الدور الأوفي، أما هيئة الأوقاف فشرها مستطيراً بسبب دعمها لحفنة من الشباب من طلاب العلم الشرعي المتشدد والمدعوم خليجيا للتحكم بمعظم مجالس المساجد ومنابر الجوامع لنشر مفاهيم المذهب الجامي المتشدد ودعمها لهم بواسطة غض الطرف عن التمويل الخارجي والترخيص لآكثر من ثلاثين إذاعة تبث تسجيلات مستوردة، مما أوجد فُرقة واضحة تمثلت في محاربة المذاهب الوطنية مثل المذهب المالكي وافباضي وتسفيه فتاويهم، ونشر التكفير والتبديع بين الامة والدفع بالشباب لمحاربة حكومتهم الشرعية محليا ودوليا، وهم يتقاضون مرتباتهم منها ويتسلحون من خزائنها.

الأعظم ضررا وشرا بقاء مستشاروا الرئاسي في مناصبهم، فإن كان لهم رؤية وحكمة وإستشارة لن يصل حفتر إلى ضم الجنوب بعشرة سيارات دفع رباعي عليها مرتزقة من العدل والمساواة ولا أن يصل إلى ابواب طرابلس ويعطل الدولة ويزهق الأرواح ويشرد أكثر من نصف مليون ساكن، ولا أن نتستر عن الحكومات العربية والأجنبية المتاجرة بدما الليبين وتوفير السلاح القاتل لحفتر وقصف المواقع المدنية بالمدينة، والمستشارون في غيبوبة عن ذلك، وإن أبلغو الرئاسي بمغبة ما سيحدث من دمار ولم يتبع إستشاراتهم فلا معنى لبقائهم في مناصبهم، وتقديم إستقالاتهم أشرف وأعز من هكذا نتائج كارتية.   

هناك النخب القبلية التى أوصلت أهلها إلى خوض حروب طاحنة، فمثلا أعيان الأبيار والنائب عن ترهونة ورجال الأعيان بها خير مثال على زوال العقل والحكمة بعد أن زجوا بأبنائهم في اتون الحرب في سبيل دعم مهوس بالسلطة، وسيسجلها التاريخ أنها المدينة المارقة فضلا عن إنكسارها بعد عودة قوات الكرامة إلى ثكناتها، وقس على ذلك مديريات الأمن والبلديات التي خرجت عن برامج مهامها ومارست السياسة على غير أصولها.

اليوم ساحات طرابلس ومصراته والكثير من مدن المنطقة الغربية تنادي بإيقاف المعتدي وبناء الدولة المدنية والذهاب إلى الإنتخابات، أما نخب الدفع المسبق فتقوم  بعقد جلساتها في خيمة مزركشة لتفويض المشير لحكم البلاد، وضم المدن والقرى بالقوة إلى حضن الكرمة. نهاية الحرب قريبة وزوال النخبة المزيفة لا لبس فيه والحوار القادم يجب ان يكون على أسس هياكل الدولة والمتمثل في عمداء البلديات، سواء كان لمدن الجنوب أو الغرب أو الشرق الليبي حتى يحدث نضج مجتمعي يقود إلى بناء أحزاب تتنافس على أسس برامج العمل لخدمة المواطن والدولة. أما ما يسمى بالنخب من رجال القبائل والأعيان والمعلقين السياسين والكتاب التابعين والإعلاميين المأجورين فيجب ان تكون علاقاتهم بالمجالس البلدية وليس بالحكومة أو بالرئاسي إلى أن يتم إنتخاب برلمان جديد ورئيس دولة ودستور حاكم للبلاد.

شاهد الخبر في المصدر عين ليبيا




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com