555555555555555

أحمد الفيتوري: ليبيا سنةٌ خامسة!

ليبيا المستقبل 0 تعليق 125 ارسل لصديق نسخة للطباعة

أحمد الفيتوري: ليبيا سنةٌ خامسة!

(1)

- السلام

هكذا قال مُبتسما عندما مرَ بجانبنا، ظللتُ فاغرةً فمي أمام هذا الجار السريالي، وأرسلت نظرة تساؤل إلى "بشي"، الذي أشار بحركة من رأسه: "لا". بدا بوضوح أن الرجل ليس جنديا، لكنه يُجيد استخدام القاذف والمدفع، لاحظ أنني أنظر إليه مُتعجبة، فذهب ضاحكا، ثم رجع نحوي ومد لي قنينة مائه. قلت في نفسي، وأنا أمتص القنينة: رائع "طالباني" يُحبني جدا. سألت - بمجرد ابتعاده عنا- أحد المقاتلين: من أين جاء هذا الشخص، قال متذمرا: من "أفغانستان"، قلت أهو أفغاني؟، أجاب: ”لا، ربما يكون ليبي، لكنه، بالتأكيد، ليس من الجيش، ليبي قادم من أفغانستان..."، بدأتُ أدرك أننا لا نختار مع من نقاتل في الحرب، وأنه يمكن أن من يريد أن يأتي إلى ساحة المعركة أن يأتي... كذا كتبت بعين نافذة ماري - لي لوبرانو في "تاكسي نحو بنغازي" كتابُها الأول، وهي صحفيةٌ شابة تخوضُ لأول مرة العمل الصحفي اثناء ثورة فبراير2011.

(2)

- أنت ممنوع من الدخول.

- ولكن معي تأشيرة من سفارتكم في طرابلس الغرب.

- لكن البلاد التي حصلتُ باسمها على التأشيرة لم تعُد هي البلاد!

كنتُ ساعتها في مطار فيينا في مارس 1977م، احاور ضابط الجوازات من أصبح لا يعترف بتأشيرتي لأن القذافي جعل من أول جماهيرية في التاريخ، البلاد التي أخرجها من التاريخ، مثلما تقويمه الذي يعتمد وفاة الرسول أي 1400 بدل التاريخ الميلادي، وبالتالي الفرق بيننا والعالم 500 سنة، وأخرجها من الجغرافيا كما وكد لي ضابط الجوازات النمساوي حين أشار أن ليبيا لا تُذكر في نشرة جوية في العالم، وتسأل هل امبراطورية الرمال هذه تقع خارج درب التبانة أيضا؟.

اتكأتُ في زاويةٍ حرجة من المطار مُتداعيا تحت وطأة ما تداعى على خاطري من مُصاب بلادي، مُصاب بين فاشية غربية زمن موسوليني ومعسكرات الاعتقال التي ليس كمثلها في البلدان، وبين القذافي الفاشية المحلية، المُلازم الأول المُتدرب على الأيدي الإنجليزية.

عدت بخيبتي إلى الجماهيرية الاولي في التاريخ، بلاد القائد المعلم والمفكر الثائر، صاحب المزرعة والنظرية العالمية الثالثة، لأدخل السجن وأحد عشر من الشعراء وكتاب القصة والمسرح، بتهمة إنشاء والانضواء لحزب شيوعي يستهدف اسقاط سلطة الشعب والمساس بالثورة، كانت أعمارنا حينها بين العشرين والأربع والعشرين سنة ولم نُجِد حتى المساس بنهد أنثى بعد، كان الديكتاتور ساعتها يجمع حواريه من شذاذ الآفاق ممن في عمرنا في تنظيم سُمي اللجان الثورية هم من قبضوا علينا: حكموا علينا بالإعدام مُخففا الى المؤبد بإرادة إنسانية القائد!.

بعد عشر سنوات خرجت من السجن بعد أن أضحت جماهيرية القذافي الجماهيرية العظمى غداة غارة أمريكية على البلاد في ابريل 1986، وأصبح من أخرجهم القذافي من السجن في 3 مارس 1988م يُكنون عند الناس بـ " قبيلة أصبح الصبح"، سخرية من القذافي الذي هدم السجن وهو يردد قصيدة شاعره محمد الفيتوري "أصبح السجن فلا السجن ولا السجان باق".

بعد ثورة فبراير، 17 فبراير 2011م، ما عُرف بالربيع العربي، وفي مدينتي بنغازي التي حررها الناس من احتلال القذافي هي وأكثر من ثلث البلاد في ثلاثة أيام، بالتحديد في مارس 2011 أجرت معي محطة BBC العالمية مقابلة سألني المذيع ما الفرق بالنسبة لك شخصيا ما قبل فبراير وما بعده أجبته بعفوية: صرتُ أنام. وقد زرت في الشهر الثاني لثورة فبراير مدينة البيضاء بالجبل الأخضر الليبي فدعاني اصدقاء لأن أزور بيت القذافي هناك بعد ان اقتحمته الناس الثائرة، ووجدتُ العجب: بيت مُختفي في الغابة جله تحت الأرض بأمتار، حيث وجدت باباً سميكاً وضخماً من مادة صلبة يُقفل ويُفتح آليا، قيل إن البيت جُهز ضد النووي في حالة الحرب النووية، أدهشني أن ما مُفترض أن يصد هجوما نوويا تم اسقاطه بأظافر وأيادي شعب أعزل وفي غضون ساعات.

الآن بعد سنوات خمس من فبراير 2011م لم تكف الحرب الأهلية في البلاد، خاصة في مدينتي بنغازي مهد الثورة حيث تجاوز عدد القتلى الألفين، منهم 800 اغتيالا من قبل جماعات إرهابية تُدعى مجلس شورى بنغازي بقيادة أنصار الشريعة، في الحالين عشنا إرهابا في الحالة الاولي كنا مفعولا به ارادته مؤجلة، الحرب التي فرضت علينا الآن، نحن نقاتل ونقاوم وبالمعنى الإنساني كما شيخ ارنست هيمنجواي في روايته "الشيخ والبحر”: (قد نُهزم لكن لن نُدمر). 

- أنت ممنوع من الدخول.

- ولكن معي تأشيرة من سفارتكم في طرابلس الغرب.

- لكن البلاد التي حصلت باسمها على التأشيرة في حالة حرب ومنقسمة على نفسها!

(3)

ليبيا بلاد كالبلاد يسكنها بشر كالبشر لكنها ليست ككل البلاد، هي بلاد في محك سنتها الخامسة من ثورة فبراير، في سنتها الخامسة من حرب فرضت عليها كما غيرها من بلدان الربيع العربي: اليمن وسوريا، هذا يعني أن مأزق ليبيا من مأزق الربيع العربي الذي الساعة في موجته الاولي التي كما الزلزال يتبعه زلزال، في السنة الخامسة الأفق مفتوح، كما لم نخمن ما حدث ليس بالإمكان تخمين القادم لكن بالإمكان العمل من أجله.

وكُل فبراير وأنتم بخير. 

أحمد الفيتوري

 

شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




0 تعليق