555555555555555

اخبار ليبيا : جهاديو تونس يحتلون الصدارة ب"الفقر" و "الاستبداد" و"الهرطقة الدينية"

ليبيا 218 0 تعليق 702 ارسل لصديق نسخة للطباعة

من السهل أن تفرح بما جرى في تونس، فرغم الانقسام الأيديولوجي الحاد إلا أن الانتقال الديموقراطي قد قاوم ونجا، به بعض المثالب لكنه باق. ومع مرور كل يوم تبدو تونس بخير مقارنة بما يحدث في العراق وسوريا وليبيا واليمن.

مع ذلك وإذا عرفت أين تبحث، ستجد أن هناك تيارات مظلمة تجري تحت السطح في تونس. فالانقسامات الأيديولوجية لم تُحل ولكنها أجلت. مع ذلك هناك أمرٌ آخر يحيّر المحللين والناشطين على حد سواء. ففي الوقت الذي يسير فيها التحول الديموقراطي قدما، نجد أن هناك أعددا هائلة من التونسيين يبحثون عن الأمل والإلهام في مناطق أخرى. لقد وجد أكثر من 3000 تونسي حافزهم في ميادين القتال في سوريا، فشكلوا نسبة عالية وصادمة من نحو 25.000 مقاتل أجنبي ذهبوا هناك.

هذا عالم مختلف، محاط بالصمت والغموض، تجده في الحواري الخلفية لهذه العاصمة الضاجة بالحياة. بإمكان المرء أن يمضي أياما في تونس دون أن يرى أية مؤشرات على ذلك، ربما عدا إشارة عابرة، أو محادثة خافتة. ولكن إن كنتَ شابا تونسيا، فمن المؤكد أن لديك أصدقاء، أو معارف، أو حتى أفرادا من العائلة ممن ذهبوا للقتال، أو أوقفوا قبل ذهابهم هناك.

بالنسبة للشخص العادي من الغرب، ففكرة معرفة أحد مقاتلي داعش، أو حتى معرفة أبيه أو أخيه، أو أخته، تخلق نوعا من الإثارة. وبالنسبة لكثيرين من التوانسة صار هذا الأمر معتادا، فهو ليس أكثر من عمل قام به الناس. عائلات وأصدقاء المقاتلين الأجانب تحدثوا معي حول الموضوع باعتباره طبيعيا وأحيانا بلا مبالاة، وكأنهم يتحدثون عن قريب لهم ذهب في رحلة إلى أوروبا أو للدراسة في الولايات المتحدة. ولكن من جديد، هل ثمة طريقة للحديث بشكل مناسب عن قريب لك والذي ذهب للقتال مع جماعة إرهابية؟

قابلت "ياسين" في مقهى هادئ في ضاحية باردو بالقرب من البرلمان التونسي، ومثل كل المقاهي في تونس كان الجو مشبعا بطبقات من الدخان تتشكل مثل سحابة فوق رؤوسنا، ولأنني كنت جديدا على المكان فقد سألت صديقي جهاد الذي رتب اللقاء: ما الشيء المناسب قوله لشخص فقد ابنه في سوريا، لأن هشام ابن ياسين، والطالب في جامعة منوبة قتل هناك في أغسطس 2013.

"حدث كل شيء فجأة" أخبرني ياسين، الذي يتذكر أن هشام بدأ يقضي وقتا طويلا في المسجد، ويحرص على أداء صلاة الفجر فيه. ثم أطلق لحية قصيرة وبدأ يرتدي "الثوب الخاص بالسلفيين" في أمل لاستعادة الأجواء التي كانت سائدة في جزيرة العرب في القرن السابع الميلادي. أخبرتُ هشام أن هذا اللباس لا يخصنا في تونس، فتوقف عن ارتدائه. لكنه حصل على جواز سفر بدون علمنا. وذات يوم أحدٍ لم يعد إلى البيت، واتصل ليخبرنا بأنه سيبيتُ مع صديق له رغم أنه لم يفعل ذلك من قبل قط.

أخبرني يا سين بأنه كان متفاجئا لتصرفات ابنه الذي صار أكثر تشددا، كان أكثر انعزالا ويقضي أوقاتا طويلة أمام الكومبيوتر، ولكن لم يخطر على باله قط أن ابنه سيسافر إلى سوريا حيث التحق أولا بجبهة النصرة، ثم تحوّل إلى داعش. 

كانت تلك أحجيةٌ حيرتني، فكيف يمكن لأبٍ أن يعقل مثل هذه المأساة؟ ولدي "ياسين" عدد من الفرضيات المتسببة في ما حدث من الدعوة الجهادية على الانترنت، إلى الإمام السلفي في المسجد الذي غرر بابنه.

يقول يا سين إن الفرضية المعتادة أن ابنه مثل كثيرين من شباب تونس تأثروا بالمأساة الإنسانية التي حدثت في سوريا، وأن مشاهدتهم لمذابح إخوتهم السوريين على يد نظام الأسد هي ما جعلهم يتحركون، والجماعات التي كانت أكثر جذبا للمقاتلين الأجانب هي ذات القاعدة الإسلامية وأكثرها قوة "جماعة النصرة" التي كانت توجه نيرانها ضد الأسد، وتحارب إلى جانب قوات الجيش السوري الحر، وتحصل على دعم الإسلاميين وغيرهم على حد سواء، وبعد إعلان أبوبكر البغدادي عن تشكيل الدولة الإسلامية في العراق والشام انشق هشام وهرب إلى تنظيم داعش. في أيامه الأخيرة مع العائلة بان التشدد على هشام وكان يطلب من أمه أن تدعو له بأن يلتحق بصفوف الشهداء.

 تكلفة الديموقراطية

كان الأمل معقودا دائما على أن المزيد من الدمقرطة والمشاركة السياسية ستقدمُ للمواطنين المتذمرين مخارج سلمية للتعبير عن مظالمهم السياسية والاقتصادية، وهذه الفكرة ــ أي الطريقة الوحيدة لمكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط هي بإعلاء قيم الديموقراطية ــ هي ما كان وراء قانون الرئيس بوش للحرية في العقد الأول من الألفية الثالثة. لكن وإن دلّت شواهد عديدة على إمكانية ذلك على المدى البعيد، فإن تونس لم، ولن، تصل إلى المدى البعيد في أي وقت قريب. 

الديموقراطية ليست شيئا يمكن ترتيبه بسهولة، ويبدو أن هناك تعويضات قصيرة الأمد. فسقوط الدكتاتور ــ  والنشوة التي طال انتظارها بتغيير النظام ــ ترفعُ سقف التوقعات، لكن تبيّن أن المؤسسات بالغة الضعف لتقابل المتطلبات المتزايدة للناس.

خلال نقاشاتي مع شباب توانسة ممن لديهم أقارب أو أصدقاء في سوريا، غالبا ما أقول لهم إن تونس، وخلافا لجيرانها، تتمتع بديموقراطية نسبية، وأنها قدمت قنوات تسمح بالمشاركة من داخل المنظومة، وغالبا ما كانت ادعاءاتي تقابل بالتشكيك وبصيحات "عن أية ديموقراطية تتحدث؟"

عندما التقيت بمغني الراب التونسي "كوستا" أخبرته أن هناك نوعا من المفارقة في تونس، فكيف يخرج من تونس وهي النموذج الديموقراطي في العالم العربي، كل هذا العدد من المقاتلين الأجانب، فأجاب ساخرا: "لأنك تعيش في الخارج، ترى أن هذا تناقضا، لكننا نعرف أنه لا توجد لدينا ديموقراطية، والأمر مثل شخص جلده غير نظيف لأنه لم يغسله منذ شهور، ثم ذات يوم ترتدي بذلة أنيقة وباهظة الثمن. لكنك في النهاية تعرف حقيقته من الداخل." 

لقد ذهب أخو كوستا للقتال في سوريا، لكنه سرعان ما أصيب بخيبة أمل بسبب القتال بين الفصائل المختلفة. ثم تمكن من العودة إلى تونس لكنه اكتشف أن لا مكان له في بلاده، وبعد مضايقات لا حصر لها من الشرطة، عاد إلى سوريا، حيث قتل في غارة جوية. "وحتى بعد مقتله، ما تزال عائلتي تتعرض للمضايقات." يقول كوستا.

في مدينة القيروان وهي معقل السلفيين، قابلت بدون موعد، سينمائيا تونسيا شابا يقاتل ابن عمه مع داعش. "أنا ضد خياراته، لكنني أحترمها،" أخبرني وهو يحتسي زجاجة من البيرة التونسية والكثير من السجائر.

سألته إن كان يرى في الانضمام إلى داعش أمرا عاديا، فأجابني: "أنت تعيش في أميركا، يا حبيبي، وليس في تونس، وإن كنت تعيش هنا، فأنت تتعرض لمضايقات وظلم يومي. لنقل أن لديك أفكارا ومبادئ، ولديك أهدافا ورؤية للمستقبل، لكن إن كنت تعيش في بلد لا يحتضنك، فالأمر معكوس تماما، وهذا شيء طبيعي."

مع نهاية حديثنا كان قد احتسى قنينته الرابعة أو الخامسة. خفت حدة النقاش وتركت مكانها لجو ألطف قليلا، فالشراب كان ثالثنا على الطاولة. كانت هذه حقيقة بلدهم، وماذا يمكنهم فعله غير التندّر على الغرابة؟ "تقول أمر طبيعي؟ وما هو الطبيعي؟" سأل متندرا، "امرأة تسير في الشارع وترتدي ثياب البحر. هنا الأمر غير طبيعي، بينما في أميركا طبيعي."

الديموقراطية كمفهوم تجريدي شيء جيد، لكنه بالنسبة لكثيرين من التوانسة، لم يُترجم التحول الديموقراطي إلى تغييرات إيجابية على الأرض، فالاقتصاد يستمر في المعاناة، ومن هم على الهامش "ثوار علمانيون، وسلفيون متشددون على حد سواء،" يشعرون أن التحوّل السياسي يسير ببطء وأن الاستقطاب والجمود يطمس التغيير الدراماتيكي الضروري للعملية. 

كما يعرف كل من كوستا والسينمائي الشاب، فالتاريخ لم يبدأ في 2011 ، فتونس هي البلد العربي الوحيد التي شهدت علمانية مفروضة، كما شهدت حكما استبداديا، وهي خلطة تعتبرُ ضارة. ففي ظل حكم بن علي كانت الشكوك تساور البوليس السري في حال اكتشف أن الأضواء مشتعلة في شقة ما في كل صباح، فليس لهذا إلا معنى واحدا وهو أن أحدهم يقوم باكرا لصلاة الفجر. طوال عقود لم تكن هناك إلا مساحة قليلة للتعبير الديني في تونس، وقد أدى ذلك إلى تأثير شوّه النسيج الاجتماعي بطرق يصعب قياسها. وإذا ما رغبنا في فهم لماذا يكون لهذه البلاد مشكلة استثنائية في شبابها المقاتلين في الخارج، فهذا السياق الغريب ـ الذي لا يشاركها فيه بلد آخر ـ قد يكون جزءا من القصة.

بالرغم من فوزها بأغلبية ساحقة في أول انتخابات ديموقراطية إلا أن حركة النهضة لم تتمكن من ذكر حتى كلمة "الشريعة" في الدستور بسبب المعارضة الهائلة من الأطراف العلمانية، وعندما تعلق الأمر بدمج سلفيين محافظين في الحركة السياسية كأن الأمر أكثر صعوبة، فما يريده السلفيون ليس حتى محل نقاش، وقد كان مثل "النهضة" عبرة لكيفية تأثير التوافق السياسي على الهوية الدينية للإسلاميين.

نموذج "الدولة الإسلامية"

ما الذي يمكن لحزب النهضة أن يقدمه لشخص مثل هشام؟ في وقت ما كان للجماعات الإسلامية سطوة ما على الشارع التونسي، فقد تحاشوا "الثورة" والمواجهة المباشرة مع الدولة، وهو ما يعني أن الانضمام لجماعات تستلهم فكر الإخوان المسلمين يتضمن خطورة ما، ولكن ليس بالخطورة نفسها التي تمنحها خيارات أخرى. وربما الأكثر أهمية أن هذه الجماعات كانت تفتخر بـ "موضوعيتها" وفهمها للحقائق المحلية والدولية على الرغم من مرارتها.

إحدى الطرق لفهم الحركة الإسلامية هي النظر إليها كمجهود لتطبيق تعاليم الإسلام، وهذا ما يجعلها مهمة وذات صلة بالموضوع. لكن هذا يجعلها أيضا عرضة لاتهامات بالتقصير، فالإسلام المطبق يجب أن تكون لديه القدرة لتجاوز الروحانيات وفكرة تحسين الصورة. يتعين على الحركة الإسلامية أن تكون عملية وتواجه السؤال المطروح حول ما الذي سيحدث عند فشل الجهود (بل فشل متكرر) لتطبيق الإسلام في ظل وجود القوانين الوضعية والحكومات القائمة. 

صعود الدولة الإسلامية إذن هو نوع جديد من التهديد، ويختلف بالأساس عما حدث في السابق. فمنذ إلغاء نظام الخلافة في العام 1924، لم تحدث أية محاولات جادة لإعادة إحيائها من جديد. لكن الآن فالدولة الإسلامية وفروعها في ليبيا وسيناء ونيجيريا يمكنها الادعاء بالسبق. قد يكون نموذجها في الحكم مرعبا من وجوه عديدة، ومع ذلك تظل نموذجا مميزا. الدولة الإسلامية وأتباعها ليس لديهم أي تقدير للبنية الحالية للدولة وذلك في تباين حاد مع الإخوان المسلمين، وما عداهم من التيارات الإسلامية. فالدولة الإسلامية تقدم رؤية للخلافة الإسلامية الجديدة وعما تعنيه على أرض الواقع، على عكس جماعة الإخوان المسلمين التي تقبل بالدولة القائمة وتحاول أسلمتها، بينما تنظيم الدولة يؤمن بنقض الدولة القائمة بالكامل وبناءها مجددا على قاعدة مختلفة، ففي رؤيتهم أنه كلما حدث تقارب بين الإسلاميين والدولة الحديثة يكون دائما لمصلحة الأخيرة. 

 

حتى لو دُحر تنظيم الدولة غدا فليس من السهل جبر الضرر

لقد حدد تنظيم الدولة معايير جديدة للجماعات المتطرفة، عندما أثبت إمكانية احتلال مساحات كبيرة من الأراضي والاحتفاظ بها، دون الحاجة لدعم شعبي واسع. فهذا الأمر إلى جانب الإرهاب والوحشية هو عنوان الدولة الإسلامية، وهو في النهاية أكثر أهمية من معاني الدولة الإسلامية. لقد نجح تنظيم الدولة في إقامة دولة دينية وهو أمر فشلت فيه كل جماعة إسلامية من قبل، وأكثر من ذلك فقد شدت صورة دولة الخلافة انتباه عدد قليل، ولكنه مؤثر، من المسلمين.

العديد من الحركات الإسلامية، مثل الإخوان المسلمين في مصر، وحركة النهضة في تونس، وحزب العدالة والبناء في المغرب تأمل في تكييف الإسلام والقوانين الإسلامية داخل منظومة الدولة/الأمة الحديثة، وقبول الكثير إن لم يكن أغلب متطلبات الدولة الأساسية. وقد اعتادت استخدام مصطلحات مثل "الدولة المدنية" و "سيادة الشعب" و "حقوق المرأة" و "المواطنة" لكن هذا لا يعني إيمانهم بالليبرالية فهناك فارق كبير مثلا بين حقوق المرأة والمساواة بين الجنسين، لكنهم متحمسون بشدة أن ينظر إليهم كشرعيين وطبيعيين في المنظومة الدولية.

في قلب هذه الحوارات حول مستقبل الدولة الإسلامية، هناك حزمةٌ من الأسئلة حول ما نريد بالفعل، كبشر. في العام 1940، وقبل ارتفاع مستوى جرائم "هتلر" قدم الكاتب والروائي "جورج أورويل" عرضا لكتاب هتلر "كفاحي" والتقط من خلاله ما يبدو لكثيرين منا اليوم خارج نطاق الفهم، وهو أن هتلر توصل إلى فهم شيء عميقٍ ومزعج وحتى مرعبٍ أحيانا في الطبيعة البشرية، وفي لغة الإسلاميين فقد تفهّم قوة عنصر (الفطرة) لدي الإنسان، وهي الغريزة بتعبير آخر.

كتب أورويل: لقد اكتشف هتلر زيف الموقف من المتعة في الحياة، فتقريبا كل الفكر الغربي منذ الحرب الأخيرة ، وطبعا كل الفكر التقدمي، افترض أن البشر لا يرغبون في شيء خلاف الدعة، والأمن، وتحاشي الآلام... وفي الوقت الذي عرضت الاشتراكية والرأسمالية على الناس العيش في أمان وبحبوحة، قال لهم هتلر: "سأقدم لكم النضال، والخطر، والموت،" والنتيجة أن الأمة بأسرها رمت نفسها تحت قدميه." 

سأظل دائما أعاني في محاولة لفهم هذا الأمر، ورغم إيماني العميق ببعض القضايا فلم أسع يوما للالتحاق بالجيش، أو أي ميليشيا، أو قوة متمردة. لكن الآن هناك أكثر من 25.000 أجنبي من خارج سوريا تدفقوا على البلاد للقتال من أجل قضية من الواضح أنهم يؤمنون بها. فالدولة الإسلامية تحتفي بالموت. وإلى جانب فرضها لقوانين الشريعة، وانتصارات في الميدان، يقوم فريق الإعلام والعلاقات العامة الخاص بها بنشر صور احتفائية بجنودها: شباب تغطيهم الدماء ينكفئون ميتين على أسلحتهم. أتمنى من كل قلبي أن تختفي تلك الرغبة في القتل، والتدمير، والموت من أجل شيء أهمّ من أنفسنا، لكنني أعي تماما أنه رغم إمكانية التخفيف من رغبات القتل والتدمير تلك ومحاولة توجيهها إلى أمور بناءة، لكنها لن تختفي تماما.  

ــــــــــــــــــــــــــ

بقلم Shadi Hamid

عن مجلة : فورين بولسي

ترجمة خاصة لـ 218

شاهد الخبر في المصدر ليبيا 218




0 تعليق