555555555555555

جمال صالح الهنيد: مصابنا في ليبيا ومصابنا في رسول الله عليه الصلاة والسلام

ليبيا المستقبل 0 تعليق 127 ارسل لصديق نسخة للطباعة

حالنا في ليبيا لا يسر هذه الأيام، حال مؤلم موجع وأمر مهول مفزع؛ استحرّ القتل، واُنتهكت حرمات الأنفس والأعراض والبيوت والأموال، ونزحت العائلات من بيوتها وهجرت مدنها وتشردت في نواحي البلاد، وأصبحت كالأيتام على موائد اللئام، واشرأبت اعناق الفتن ونطق الرويبضة واختلط الحابل بالنابل، وتفطّرت القلوب حزناً على موتاها، وتصدّعت الأفئدة أسىً على فقداها، والتفتت الوجوه الحزينة يمنة ويسرة، تبحث عن سلوى لها في مصابها، وعزاءٍ لها في منابها… فخطر على بالي أن أهدي إلي أصحاب هذه القلوب هذه المقالة لارتباطها بحبيبنا المصطفى الذي هو عزاؤنا و سلوانا في مصائبنا وهو القائل: "من أصابته مصيبة فليذكر مصيبته بي، فإنها من أعظم المصائب".

لو اطلعنا على حياة رسول الله ومماته، (ساقتصر في الحديث هنا عن حياته حرصاً على عدم الإطالة)، لوجدناها خير عزاءٍ لنا في مصائبنا، وأفضل سلوى لنا في نكباتنا. وإذا رأينا حال أفضل خلق الله، وتفكرنا في حياته، وما ألمّ به من مصائب جمة، لهانت علينا مصائبنا كلها. كانت المحن تنزل إليه، والمصائب تتوالى عليه وهو ثابت كالجبل الأشم، راسخ كالطود الأصم.

بُعث نبينا إلي الخلق وحده، والكفر قد ملأ الأرض بأسرها، فحمل أعباء الدعوة وحيداً وهو صابر محتسب. يخرج في المواسم يسأل القبائل الايواء والنصرة، فيُرد مكسور الخاطر، لا مؤيد له ولا ناصر… فلم يتأفف ولم يسخط، بل كان صابراً محتسباً.

يبتليه الله بالجوع حتى يشد الحجرين على بطنه، وخزائن الأرض بيد الكافرين الجاحدين… وهو صابر محتسب. يُشجّ وجهه الكريم، وتُكسر رباعيته، ويُقتل أصحابه، ويمثّل بجسد عمه وأسد دينه حمزة رضى الله عنه، فيجذع أنفه، وتشق بطنه، وتلاك كبده، ولا يجد لحمزة باكياً… وهو صابر محتسب. يُكرم الناس، فيُردّ له الإكرام بدس السم له… وهو صابر محتسب. يُقسِّم الغنائم، ويعطى عطاء من لا يخشى الفقر، فيُقال له: "ما عدلت"… وهو صابر محتسب. يعود من غزوة بدر فرحاً بانتصار المسلمين، فيأتيه الناعي قبل دخوله المدينة ينعيه أن ابنته رقية قد ماتت، وسوى التراب على قبرها… وهو صابر محتسب. وتظل ابنته زينب تعانى آلآم المرض بعد اجهاض حملها، ثم تلحق بأختها رقية عليهما السلام… وهو صابر محتسب.

هذا هو نبينا الذي لم يقدر على صبره نبى قبله. هذا آدم عليه السلام، تُوهب له الجنة كلها سوى شجرة واحدة فيأكل منها، ونبينا صلى الله عليه وسلم يقول في مباح الدنيا: "مالي وللدنيا". وهذا نوح عليه السلام يصيح مما لاقى من كمد ووجْد: "ربي لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا"، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم اهد قومي فهم لا يعلمون". وهذا سليمان عليه السلام يقول: "هب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي"، ونبينا صلى الله عليه وسلم يقول :"اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا" صلى الله عليه وسلم. وهذا عيسى عليه السلام يقول لله: "إن صرفت الموت عن أحد فاصرفه عني"، ونبينا صلى الله عليه وسلم يخيّر بين البقاء والرحيل، فيختار الرفيق الأعلى.

لقد عرف نبينا صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى ملكٌ حكيمٌ؛؟ملك يفعل في عبيده ما يشاء، وحكيم لا يفعل شيئاً عبثاً، فصار هواه لما يقضي الله، وذلك تمام المعرفة بالله وكمال الإيمان بالقدر؛ خيره وشرّه. فحري بنا أن نتأسى برسول الله عليه الصلاة والسلام في صبره على المصائب ونحتسب الأجر عند الله على ما يلم بنا من آلآم و أحزان.

جمال صالح الهنيد

* (جمعت المقال من كتابي: الرحيق المختوم للمباركفوري وصيد الخاطر لابن الجوزي).

 

شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




0 تعليق